فلم يَقُلْ: أنا عليلٌ؛ لضِيقِ الْمَقامِ عنْ إطالةِ الكلامِ بذِكْرِ المسنَدِ إليهِ بسببِ تَوَجُّعِ وسآمةِ المسنَدِ إليه منْ عِلَّتِه. وإمَّا لِخَوْفِ فواتِ فرصةٍ، نحوَ قولِ الصيَّادِ: غزالٌ، أيْ: هذا غَزَالٌ.
(6) والتعظيمُ والتحقيرُ: إيهامًا لصَوْنِه عنْ مخالَطَةِ لسانِكَ تعظيمًا لهُ، أوْ صونِ لسانِكَ عنهُ تحقيرًا له وادِّعاءً لِلْخِسَّةِ فيه. فالأَوَّلُ، أي الحذْفُ للتعظيمِ، نحوَ: نجومُ سماءٍ، أيْ: همْ نجومُ سماءٍ. فلم تَذْكُرْهُ تعظيمًا وصَوْنًا لهُ عنْ لسانِكَ. والثاني، أي الحذفُ للتحقيرِ، نحوَ: قومٌ إذا أَكَلُوا أَخْفَوْا حديثَهُم، أيْ: همْ قومٌ، فحَذَفْتَهُ تحقيرًا له، وإيهامًا لصَوْنِ اللسانِ عنهُ.
(7) والمحافظةُ على وَزْنٍ في البيتِ، بأنْ يَخْتَلَّ الوزنُ بذِكْرِه، أو المحافظةُ على سَجْعٍ في النَّثْرِ، بأنْ يكونَ ذِكْرُه يُفْسِدُ ذلكَ السجْعَ. فالأوَّلُ، أي المحافظةُ على وزنِ البيتِ، نحوَ:
نحنُ بما عِنْدَنا وأنتَ بما * عندَكَ راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ
أيْ: نحنُ بما عندَنا راضونَ، فحَذْفُ الخبرِ ههنا لمحافَظَةِ الوزْنِ، إذْ لوْ ذُكِرَ لم يَسْتَقِمْ وزنُ البيتِ. والثاني، أي المحافظةُ على سجْعٍ في النَّثْرِ، نحوَ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ، أيْ: وما قَلَاكَ، فحَذَفَ ضميرَ المفعولِ لرعايةِ السجْعِ السابقِ والآتِي.
(8) والتعميمُ: أيْ تعميمُ الفعْلِ وتَعَلُّقُهُ بكلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بهِ باختصارِ الكلامِ، نحوَ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} ، بحذْفِ المفعولِ، أيْ: جميعَ عِبادِه؛ لأنَّ حذْفَ المعمولِ إذا لمْ يُوجَدْ قرينةٌ على تَعيينِه كما في الآيةِ يُؤْذِنُ بالعمومِ، أيْ بعمومِ الفعْلِ، وتَعَلُّقِه بكلِّ معمولٍ معلومٍ جِنْسُه في ضِمْنِ الفعْلِ؛ لأنَّ تقديرَ بعضٍ دونَ بعضٍ حينئذٍ يعودُ إلى ترجيحِ أحَدِ المتساوِيَيْنِ على الآخَرِ بلا مُرَجِّحٍ، فيكونُ جميعُ الْخُصوصيَّاتِ مَنْوِيَّةً، فيَحْصُلُ التعميمُ معَ الاختصارِ. بخلافِ ما لوْ ذُكِرَ ذلكَ المعمولُ بصيغةِ العمومِ، فإنَّهُ وإنْ كانَ يُفيدُ العمومَ أيضًا لكِنْ يَفُوتُ الاختصارُ حينئذٍ.
(9) والأدبُ، نحوَ قولِ الشاعرِ:
قدْ طَلَبْنَا فلمْ نَجِدْ لكَ في السُّؤْ * دَدِ والْمَجْدِ والمكارِمِ مَثَلَا
فحَذَفَ مفعولَ طَلَبْنَا، ولم يَقُلْ: وطَلَبْنَا لكَ مَثلًا؛ لِقَصْدِ التأدُّبِ معَ الممدوحِ بتَرْكِ مُواجَهَتِه بالتصريحِ بطَلَبِ مَثَلٍ لهُ.
(10) وتنزيلُ الْمُتَعَدِّي منزِلةَ اللازمِ في كَوْنِ الْغَرَضِ منهُ مُجَرَّدَ إثباتِه للفاعِلِ منْ غيرِ اعتبارِ تَعَلُّقِه بمَنْ وَقَعَ عليه، فَلَا يُؤْتَى بمفعولٍ مذكورٍ ولا مَنْوِيٍّ أصْلًا؛ لعدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بالمعمولِ والمفعولِ، نحوَ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، أيْ مَنْ يَحْدُثُ لهُ حقيقةُ العلْمِ، ومَنْ لا يَحْدُثُ لهُ تلكَ الحقيقةُ. فنَزَّلَ الفعْلَ منزِلةَ اللازمِ؛ إذْ ليسَ الغرَضُ الذينَ يَعْلَمُونَ شيئًا مخصوصًا، والذينَ لا يَعْلَمون ذلكَ الشيءَ، بل المرادُ الذينَ وُجِدَ لهمْ مَعْنَى العِلْمِ، والذينَ لمْ يُوجَدْ لهم.