(5) والتَّعَجُّبُ إذا كانَ الحكْمُ غريبًا: أيْ إظهارُ التَّعَجُّبِ منهُ؛ لأنَّ نفسَ التعَجُّبِ لا يَتَوَقَّفُ على الذكْرِ، بلْ يكونُ بغرابَةِ الحكْمِ، سواءٌ ذُكِرَ أوْ لم يُذْكَرْ، نحوَ: عليٌّ يُقاوِمُ الأسدَ، تقولُ ذلكَ معَ سَبْقِ ذِكْرِه، الذي هوَ القرينةُ على الحذْفِ. لكنْ معَ ذلكَ لمْ يُحْذَفْ؛ لأنَّ في ذِكْرِه إظهارَ التَّعَجُّبِ منه. وإمَّا نَفْسُ التَّعَجُّبِ فمَنْشَأُهُ مقاومةُ الأسدِ، سواءٌ ذُكِرَ عليٌّ أوْ حُذِفَ.
(6) والتعظيمُ والإهانةُ إذا كانَ اللفظُ يفيدُ ذلكَ: التعظيمُ أو الإهانةُ كأنْ يَسْأَلَكَ سائِل: ٌ هلْ رَجَعَ القائدُ؟ فتقولُ: رَجَعَ المنصورُ أو المهزومُ. فذِكْرُهُ بعنوانِ المنصورِ يُفيدُ تعظيمَهُ، وبعنوانِ المهزومِ إهانتَهُ.
ومِنْ دواعي الْحَذْفِ:
(1) إخفاءُ الأمْرِ عنْ غيرِ المخاطَبِ من الحاضِرِينَ: وهذا عندَ قيامِ القَرِينةِ على المحذوفِ للمخاطَبِ دونَ غيرِه منهم، نحوَ: أقْبِلْ، تُريدُ عَلِيًّا مَثلًا، عندَ قيامِ القرينةِ عليهِ عندَ المخاطَبِ دونَ سائرِ الحاضِرِينَ.
(2) وتَأَتِّي الإنكارِ وتَيْسِيرُهِ للمتكلِّمِ عندَ الحاجةِ إلى الإنكارِ، نحوَ: لئيمٌ خَسِيسٌ، بعدَ ذِكْرِ شخْصٍ مُعَيَّنٍ، فتريدُ ذلكَ الشخْصَ وتَحْذِفُهُ لِيَتَيَسَّرَ لكَ الإنكارُ عندَ لوْمِه لكَ على سَبِّهِ أوْ تَشَكِّيهِ منكَ، ويُمْكِنُ لكَ أنْ تقولَ: ما سَمَّيْتُكَ ما عَيَّنْتُكَ.
(3) والتنبيهُ على تَعْيينِ المحذوفِ ولوْ كانَ ذلكَ التعيينُ ادِّعاءً؛ فعِلَّةُ الحذْفِ التنبيهُ على مُطْلَقِ التعيينِ، سواءٌ كانَ حقيقةً بأنْ لا يَصْلُحَ ذلكَ الوصْفُ حقيقةً إلَّا لهُ، أو ادِّعاءً بأنْ يَدَّعِي أنَّ ذلكَ الوصْفَ لهُ لا لغيرِه. والأوَّلُ نحوَ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، أيْ: اللَّهُ سبحانَه وتعالى. فلم يَذْكُرْهُ لتَعَيُّنِه بذلكَ الوصْفِ حقيقةً؛ لظهورِ أنْ لا خالِقَ سواهُ. والثاني نحوَ: وَهَّابُ الأُلوفِ، أيْ: السلطانُ، فحَذَفَهُ لادِّعاءِ تَعَيُّنِه بهذا الوصفِ، وإنْ كانَ يُمْكِنُ في الواقعِ أنْ يَتَّصِفَ بذلكَ غيرُه.
(4) واختبارُ تَنَبُّهِ السامعِ عندَ القرينةِ، هلْ تَنَبَّهَ بها أَمْ لا يَتَنَبَّهُ إلَّا بالصَّرَاحَةِ؟ أو اختبارُ مِقْدَارِ تَنَبُّهِهِ ومَبْلَغِ ذكائِهِ، هلْ يَتَنَبَّهُ بالقرائنِ الخفيَّةِ أمْ لا؟ نحوَ: نُورُهُ مُستفادٌ منْ نورِ الشمسِ، وواسِطَةُ عِقْدِ الكواكبِ. فحَذَفَ المسنَدَ إليهِ في قولِه: وواسطةُ عِقْدِ الكواكبِ؛ اختبارًا للسامِعِ بأنَّهُ يَتَنَبَّهُ أَمْ لا.
(5) وضِيقُ الْمَقامِ عنْ إطالةِ الكلامِ بذِكْرِه، إِمَّا لَتَوَجُّعٍ، نحوَ:
قالَ لي كيفَ أنتَ قُلْتُ عليلُ * سَهَرٌ دائمٌ وحُزْنٌ طويلُ