الصفحة 25 من 111

البابُ الثاني في بيانِ الذِّكْرِ والحذْفِ ودَوَاعِيهِمَا

إذا أُريدَ منْ كلامٍ إفادةُ السامعِ حُكْمًا: لَعَلَّ الاقتصارَ على إفادةِ الحكْمِ لكونِه أغْلَبَ، وإلَّا فهذا البيانُ يَتَأَتَّى على تقديرِ إفادةِ السامِعِ عِلْمَ المتكلِّمِ بالحُكْمِ أيضًا. فأيُّ لفظٍ يَدُلُّ على معنًى فيهِ منْ معانيهِ فالأصْلُ ذِكْرُهُ، وأيُّ لفظٍ عُلِمَ من الكلامِ لدَلالةِ باقيهِ عليهِ فالأصْلُ حذْفُه. وإذا تَعارَضَ هذانِ الأصلانِ بأنْ يكونَ اللفظُ الواحدُ معَ كونِه دَالًّا على معنًى فيهِ منْ معانيهِ مِمَّا يُعْلَمُ من الكلامِ لدَلالةِ باقيهِ عليهِ، فلا يُعْدَلُ حينئذٍ عنْ مُقْتَضَى أحدِهما إلى مُقْتَضَى الآخَرِ إلَّا لداعٍ؛ لِئَلَّا يَلْزَمُ الترجيحُ بلا مُرَجِّحٍ. فلا بُدَّ منْ معرفةِ دَوَاعِي كلٍّ منهما. فمِنْ دواعي الذِّكْرِ:

(1) زيادةُ التقريرِ والإيضاحِ: المرادُ بالتقريرِ الإثباتُ في ذِهْنِ السامعِ، وبالإيضاحِ الكشْفُ. فنفْسُ التقريرِ والإيضاحِ حاصِلٌ في الحذْفِ أيضًا عندَ وجودِ القرينةِ الْمُعَيِّنَةِ لهُ. وفي الذكْرِ زيادتُهما لاجتماعِ الدَّلالةِ اللَّفْظِيَّةِ معَ الدَّلالةِ العقليَّةِ حينئذٍ؛ فلهذا جَعَلَ داعيَ الذكْرِ زيادةَ التقريرِ والإيضاحِ لا نَفْسَهما، نحوَ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مَنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ؛ فإنَّ في ذكْرِ أولئكَ الثاني منْ زيادةِ التقريرِ والإيضاحِ ما لوْ حُذِفَ وَنُصِبَتِ القرينةُ على حذْفِه لمْ يكُنْ. وليسَ المرادُ أنَّ أولئكَ الثانيَ لوْ لمْ يُذْكَرْ ههنا كانَ محذوفًا حتَّى يَرِدَ أنَّهُ لوْ لمْ يُذْكَرْ كانَ ما بعدَهُ، وهوَ {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، معطوفًا على خَبَرِ أولئكَ الأوَّلِ، أَعْنِي {عَلَى هُدًى} ، منْ غيرِ احتياجٍ إلى اعتبارِ حَذْفِ أولئكَ الثاني، فلا يكونُ الآيةُ مثالًا لاختيارِ الذِّكْرِ على الحذْفِ.

(2) وقلَّةُ الثِّقَةِ والاعتمادِ بالقرينةِ، إمَّا لضَعْفِها في نفسِها أوْ ضَعْفِ فَهْمِ السامعِ بها، فيكونُ مُقْتَضَى الاحتياطِ أنْ يُذْكَرَ ولا يُحْذَفَ، نحوَ: زيدٌ نِعْمَ الصديقُ، تقولُ ذلكَ إذا سَبَقَ لكَ ذِكْرُ زيدٍ، وطالَ عهْدُ السامعِ به، أوْ ذُكِرَ معهُ كلامٌ في شأنِ غيرِه. فإنَّ سَبْقَ ذِكْرِ زيدٍ، وإنْ كانَ قرينةً للحَذْفِ، لكنَّ طولَ عهْدِ السامعِ به، أوْ ذِكْرَ الكلامِ في شأنِ غيرِه، أَوْرَثَ ضَعْفَ تلكَ القرينةِ وخَفَاءَها، فيَضْعُفُ التحويلُ عليها والثِّقَةُ بها، فصارَ الاحتياطُ أنْ يُذْكَرَ زيدٌ؛ لأنَّ فَهْمَ السامعِ من اللفظِ أقْرَبُ منْ فَهْمِه من القرينةِ.

(3) والتعريضُ بغَباوةِ السامِعِ، إِمَّا لِقَصْدِ أنَّها وَصْفُه، أوْ لِقَصْدِ إهانتِه، نحوَ: عمرٌو قالَ كذا، في جوابِ: ماذا قالَ عمرٌو؟ فذِكْرُ عمرٍو في السؤالِ قرينةٌ على حَذْفِه في الجوابِ، لكنْ معَ ذلكَ لمْ يُحْذَفْ؛ لِقَصْدِ التعريضِ بغَبَاوَةِ السامِعِ، والتنبيهِ على أنَّهُ غَبِيٌّ لا يَنْبَغِي أنْ يكونَ الخطابُ معهُ إلَّا هكذا.

(4) والتسجيلُ على السامِعِ: أيْ كتابةُ الحُكْمِ وتقريرُه عليهِ بينَ يَدَي الحاكِمِ؛ حتَّى لا يَتَأَتَّى لهُ الإنكارُ، كما إذا قالَ الحاكِمُ لشاهِدٍ: هلْ أَقرَّ زيدٌ هذا بأنَّ عليهِ كذا؟ فيقولُ الشاهِدُ: نعمْ، زيدٌ هذا أَقَرَّ بأنَّ عليهِ كذا. فذِكْرُ زيدٍ معَ قيامِ قرينةِ الْحَذْفِ، وهيَ السؤالُ، منْ شأنِه لِئَلَّا يَجِدَ سبيلًا للإنكارِ بأنْ يقولَ للحاكِمِ: إنَّما فَهِمَ الشاهِدُ أنَّكَ أَشَرْتَ إلى غَيْرِي فأجابَ؛ ولذلكَ سَكَتُّ ولم أطْلُب الإِعذارَ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت