الصفحة 24 من 111

وقدْ تَخرُجُ ألفاظُ النداءِ عنْ معناها الأصلِيِّ الذي هوَ طَلَبُ الإقبالِ، وتُسْتَعْمَلُ لمعانٍ أُخَرَ تُفْهَمُ من القرائنِ.

كالإغراءِ والحَثِّ على شيءٍ، نحوَ قولِكَ لِمَنْ أَقْبَلَ إليكَ حالَ كونِ ذلكَ الْمُقْبِلِ يَتَظَلَّمُ، أيْ يُظْهِرُ ظُلْمَ الغيرِ، ويَتَشَكَّى منهُ: يا مظلومُ، فإنَّكَ لا تُرِيدُ بهذا النداءِ طَلَبَ إقبالِه؛ لكونِه حاصلًا، بلْ تُريدُ إغراءَهُ وحَثَّهُ على زيادةِ التَّظَلُّمِ وبثِّ الشَّكْوَى.

والزَّجْرِ والْمُلَامَةِ نحوَ:

أَفُؤَادِي مَتَى الْمَتَابُ أَلَمَّا * تَصِحُّ والشَّيْبُ فوقَ رأسِي أَلَمَّا

فليسَ المرادُ فيهِ النداءَ حقيقةً؛ لأنَّهُ لا معنى لنِداءِ الإنسانِ نفسَهُ، وإنَّما الغرَضُ منهُ الزَّجْرُ والْمُلَامَةُ لِيَحْصُلَ بهِ الندامةُ والْمَيْلُ إلى التوبةِ.

والتحيُّرِ والتضَجُّرِ، نحوَ:

أَيَا مَنَازِلَ سَلْمَى أيْنَ سَلْمَاكِ

ويَكْثُرُ هذا في نِداءِ الأطلالِ والْمَطَايَا ونحوِها؛ فإنَّها لا تَصْلُحُ لمعنى النداءِ، وإنَّما المقصودُ منْ ندائِها التَّحَيُّرُ والتضَجُّرُ والتَّحَسُّرُ والتَّوَجُّعُ، كقولِه:

أَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وَارَيْتَ جُودَهُ * وقدْ كانَ منهُ الْبَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا

الْمُتْرَعُ: المملوءُ. وكانَ الظاهِرُ أنْ يقولَ: مُتْرَعَيْنِ، بصيغةِ التثنيةِ، لكنْ وَحَّدَهُ لأنَّ أصْلَ العِبارةِ: الْبَرُّ مُتْرَعٌ، والبحرُ مُتْرَعٌ أيضًا. ومعنى البيتِ أنَّهُ يُنَادِي القبرَ فيقولُ: أَتَعَجَّبُ مِنْ مُوَارَاتِكَ الذي بِدَفْنِهِ دُفِنَ جُودُه الذي مَلَأَ الْبَرَّ والبحرَ. فالمقصودُ منْ نداءِ الْقَبْرِ مُجَرَّدُ إظهارِ الْوَجَعِ.

والحسرةِ والتذَكُّرِ، نحوَ:

أَيَا مَنْزِلَيْ سَلْمَى سلامٌ عَلَيْكُما * هل الأزْمُنُ اللَّاتِي مَضَيْنَ رَوَاجِعُ

فإنَّ الغرَضَ منْ هذا النداءِ التذَكُّرُ لِمَا مَضَى من التأنُّسِ والأُلْفَةِ بها.

وغيرُ الطَّلَبِيِّ يكونُ بالتعَجُّبِ والقَسَمِ وصِيَغِ العقودِ، كبِعْتُ، واشْتَرَيْتُ. ويكونُ بغيرِ ذلكَ كأفعالِ المقارَبَةِ وأفعالِ الْمَدْحِ والذمِّ.

وأنواعُ الإنشاءِ غيرِ الطَّلَبِيِّ ليستْ منْ مَباحِثِ عِلْمِ المعاني لِقِلَّةِ دَوْرِها على أَلْسِنَةِ البُلَغَاءِ؛ فَلِذَا ولأنَّ أكثرَ أقسامِه نُقِلَتْ عن الخبريَّةِ إلى الإنشائيَّةِ فيُسْتَغْنَى بأبحاثِها الخبريَّةِ عن الإنشائيَّةِ، ضَرَبْنَا صَفْحًا عنها ولم نَتَعَرَّضْ لبَيانِ أحوالِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت