فإنَّ طَيَرَانَ المتكلِّمِ إلى مَنْ قدْ هَوَاهُ ليسَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ حصولُه ويُتَرَجَّى وقوعُه؛ لكونِه مُستحيلًا، فلا تُحْمَلُ كلمةُ لَعَلَّ ههنا على أصْلِها الذي هوَ التَّرَجِّي، بلْ على معنى التَّمَنِّي المسْتَعْمَلِ في الْمُحالاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ التي لا طماعِيَةَ في وقوعِها.
ولاستعمالِ هذهِ الأدواتِ في التَّمَنِّي يُنْصَبُ المضارِعُ الواقعُ في جوابِها، وهذا ظاهِرٌ في كلمةِ لوْ؛ لأنَّ الشَّرْطيَّةَ ليستْ من الأشياءِ التي يُنْصَبُ المضارِعُ في جوابِها، وكذا في لعلَّ على مَذْهَبِ البَصْريِّينَ؛ إذْ لا جوابَ للتَّرَجِّي عندَهم، فنَصْبُ المضارِعِ في جوابِهما يكونُ قرينةً على خروجِهما عنْ أصْلِهما واستعمالِهما في معنى التَّمَنِّي، لكنَّهُ غيرُ ظاهرٍ في هلْ؛ لأنَّ الاستفهامَ الذي هوَ أصْلُها أيضًا من الأشياءِ التي يُنْصَبُ المضارِعُ بعدَها، فنَصْبُ الجوابِ بعدَ هلْ لا يَدُلُّ على خروجِها عنْ أصْلِها وتَضْمِينِها لمعنى ليْتَ، فلَعَلَّهُ أرادَ أنَّ الاستعمالَ في معنى التَّمَنِّي عِلَّةٌ لنَصْبِ الجوابِ في جميعِ هذه الأدواتِ، وإنْ كانَ يُمْكِنُ ذلكَ في بعضِها بغيرِ هذا الاستعمالِ أيضًا، أوْ أرادَ بصيغةِ الجمْعِ ما فوقَ الواحدِ، وقصَدَ بهذهِ الأدواتِ كلمةَ لوْ ولعلَّ فقطْ.
وأمَّا النداءُ فهوَ طَلَبُ الإقبالِ، أيْ: طَلَبُ المتكلِّمِ إقبالَ المخاطَبِ بحرفٍ نائبٍ منابَ أَدْعُو، سواءٌ كانَ ذلكَ الحرفُ ملفوظًا كـ: يا زيدُ، أوْ مُقَدَّرًا كـ: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} .
وأدواتُه ثمانيةٌ: (يا، والهمزةُ، وأيْ، وآ، وآيْ، وأَيَا، وهَيَا، ووا) .
فالهمزةُ وأيْ للقريبِ، وغيرُهما للبعيدِ، باعتبارِ أصْلِ الوَضْعِ. وقدْ يُنَزَّلُ البعيدُ منزِلةَ القريبِ، ويُسْتَعْمَلُ فيهِ ما للقريبِ فيُنَادى بالهمزةِ وأي الموضوعتينِ للقريبِ؛ إشارةً إلى أنَّهُ لِشِدَّةِ استحضارِه في ذِهْنِ المتكلِّمِ صارَ كالحاضرِ معهُ، كقولِ الشاعرِ:
(أَسُكَّانَ نَعْمَانَ الْأَرَاكِ) ،
بالفتْحِ فيهما، اسمُ وادٍ بينَ عَرَفَاتٍ وطائفٍ. (تَيَقَّنُوا) فعْلُ أَمْرٍ من التَّيَقُّنِ. (بأنَّكُم في رَبْعِ قَلْبِيَ سُكَّانُ) ، الرَّبْعُ بالفتْحِ المنزِلُ، والباءُ في بأنَّكُم زائدةٌ، وهوَ في مَحَلِّ مَفْعَولَيْ تَيَقَّنُوا، فنُودِيَ سُكَّانُ نَعْمَانَ الأراكِ معَ كونِهم بَعِيدِينَ بالهمزةِ الموضوعةِ للقريبِ؛ تَنبيهًا على أنَّهُم حاضرونَ في القلْبِ لا يَغِيبُونَ عنهُ أصلًا حتَّى صاروا كالْمَشْهُورِينَ الحاضرِينَ.
وقدْ يُنَزَّلُ القريبُ منزلةَ البعيدِ فيُنَادى بأحَدِ الحروفِ الموضوعةِ لهُ؛ إشارةً إلى أنَّ الْمُنادى عظيمُ الشأنِ رفيعُ الْمَرْتَبَةِ حتَّى كأنَّ بُعْدَ دَرَجَتِهِ في الْعِظَمِ عنْ درجةِ الْمُتَكَلِّمِ بُعْدٌ في المسافةِ فيَسْتَبْعِدُ المتكلِّمُ نفسَه عنْ مَرْتَبَتِهِ، ويَعُدُّ ذاتَه في مكانٍ بعيدٍ عنْ حَضْرَتِه، كقولِكَ: أَيَا مَوْلَايَ، وأنتَ معهُ، وكقولِكَ: يا اللَّهُ، معَ أنَّهُ تعالى أقْرَبُ إلينا منْ حَبْلِ الوَرِيدِ.
وإشارةً إلى انحطاطِ درجتِه، كقولِكَ: أَيَا هذا، لِمَنْ هوَ معكَ؛ إشارةً إلى أنَّهُ لانْحِطَاطِ درجتِه كأنَّهُ بعيدٌ عن الحضورِ.
أوْ إشارةً إلى أنَّ السامعَ غافلٌ لنَحْوَ نومٍ أوْ ذُهولٍ، فيُجْعَلُ نحوَ النومِ والذهولِ بمنزِلةِ البعيدِ في إعلاءِ الصوتِ، كأنَّهُ غيرُ حاضِرٍ في الْمَجْلِسِ، كقولِك للسَّاهِي: أَيَا فلانُ. وقدْ لا يكونُ السامعُ غافِلًا حقيقةً، لكنَّهُ يُجْعَلُ كالغافلِ لعِظَمِ الأمْرِ الْمَدْعُوِّ لهُ حتَّى كأنَّهُ غافلٌ غيرُ مُقَصِّرٍ لم يَفِ بما هوَ حَقُّه مِنَ السعيِ والاجتهادِ، كقولِكَ لِمَنْ حَضَرَ عندَكَ: أَيَا فلانُ، تَهَيَّأْ للحربِ.