هذا مِثالٌ لِكَوْنِ الْمُتَمَنَّى مُسْتَحيلًا، فإنَّ استحالةَ عَوْدِ الشبابِ ممَّا لا كلامَ لأحدٍ فيها. وإنَّما الكلامُ في أنَّهُ مستحيلٌ عَادَةً أوْ عَقْلًا، ولعلَّ الحقَّ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بالشبابِ قوَّةُ الشبوبيَّةِ كانَ عَوْدُه مُحَالًا عادَةً، وإنْ أُريدَ بهِ زمانُ ازديادِ القُوَى النامِيَةِ كانَ عَوْدُه مُحَالًا عَقْلًا؛ لاستلزامِه أنْ يكونَ للزَّمَانِ زمانٌ.
وقولِ الْمُعْسِرِ الذي لا طَمَاعِيَةَ لهُ في حصولِ أَلْفِ دينارٍ: ليتَ لي أَلْفَ دينارٍ. وهذا مِثالٌ لكَوْنِ التَّمَنِّي مُمْكِنًا بَعِيدَ الوقوعِ، فَعُلِمَ منهُ أنَّ الْمُتَمَنَّى إذا كانَ أمْرًا مُمْكِنًا فلا بُدَّ أنْ يكونَ بَعِيدَ الوقوعِ بحيثُ لا يكونُ لكَ توقُّعٌ وطَمَاعِيَةٌ منْ حصولِه؛ لأنَّهُ إذا كانَ ممَّا لكَ تَوَقُّعٌ وطَمَاعِيَةٌ في وقوعِه انْقَلَبَ التَّمَنِّي بالتَّرَجِّي كما قالَ.
وإذا كانَ الأمْرُ مُتَوَقَّعَ الحصولِ غيرَ بعيدِ الوقوعِ فإنَّ تَرَقُّبَهُ والتَّطَمُّعَ في حصولِه يُسَمَّى تَرَجِّيًا، وحينئذٍ يُسْتَعْمَلُ فيهِ الألفاظُ الدالَّةُ على التَّرَجِّي، ويُعَبَّرُ عنهُ بعسى أوْ لَعَلَّ، نحوَ قولِه تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} ، فإنَّ إتيانَ اللَّهِ بالفتْحِ لرسولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على أعدائِه متَوَقَّعُ الحصولِ مُتَرَقَّبُ الوقوعِ بلا شُبْهَةٍ.
ونحوَ قولِه تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} ، فإنَّ المرادَ ههنا بالأمْرِ الذي يُحْدِثُه اللَّهُ تعالى هوَ أنْ يَقْلِبَ قلْبَ الزوجِ منْ بُغْضِ الزوجةِ إلى مَحَبَّتِها، ومن الرغْبَةِ عنها إلى الرغبةِ فيها، ومنْ غريمةِ الطلاقِ إلى النَّدَمِ عليْهِ ورجوعِهَا، على ما يَدُلُّ عليهِ سِيَاقُ الآيةِ. ولا شُبْهَةَ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَقَّعُ الوقوعِ مَرْجُوُّ الحصولِ.
وللتَّمَنِّي أربعُ أدواتٍ: واحدةٌ أصلِيَّةٌ، وهيَ ليْتَ؛ لأنَّها موضوعةٌ للتَّمَنِّي، وثلاثةٌ غيرُ أصْلِيَّةٍ؛ لأنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي بطريقِ التوَسُّعِ والْمَجازِ. وهيَ:
هل التي للاستفهامِ في الأصْلِ، نحوَ: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} ، فإنَّهُ يُقالُ لِقَصْدِ التَّمَنِّي، والقرينةُ عليهِ زيادةُ مِنْ؛ لأنَّها لا تُزَادُ في الاستفهامِ الغَيْرِ المنقُولِ إلى النفيِ، فعُلِمَ أنَّ هلْ ههنا مُتَضَمِّنَةٌ للمُتَمَنِّي الْمُسْتَلْزِمِ لنفيِ التمنِّي.
ولو التي أصْلُها الشَّرْطِيَّةُ، نحوَ: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، بالنَّصْبِ بإضمارِ أنْ بعدَ الفاءِ. فالنصْبُ قرينةٌ على أنَّ لوْ ليستْ على أصْلِها؛ إذْ لا يُنْصَبُ الفعْلُ بأنْ مُضْمَرَةً بعدَ الفاءِ إلَّا بعدَ الأشياءِ السِّتَّةِ التي هيَ: الاستفهامُ، والتمنِّي، والعَرْضُ، والأمْرُ، والنهْيُ، والنفْيُ. فلوْ حُمِلَتْ على أصلِها لمْ يكُنْ لنَصْبِ المضارِعِ بعدَها وجهٌ. وأمَّا حَمْلُها على خصوصِ التمنِّي فلِمَا بيْنَ التَّمَنِّي ومعناها الأصليِّ من التَّلَاقِي في التقديرِ؛ فلذلكَ شاعَ استعارتُها لذلكَ.
ولعلَّ نحوَ قولِه:
أسِرْبَ الْقَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ * لعَلِّي إلى مَنْ قدْ هَوَيْتُ أَطِيرُ