الصفحة 21 من 111

والتشويقِ، نحوَ: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ، فحقيقةُ الاستفهامِ فيها غيرُ مُرادٍ، وإنَّما المرادُ تشويقُ النفوسِ ليكونَ الأمرُ بالإيمانِ والجهادِ الواقعِ بعدَهُ منْ قولِه سُبْحَانَهُ: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الآيةَ، أَوْقَعَ في النفوسِ؛ لأنَّهُ خبرٌ بمعنى الأمْرِ كما يَدُلُّ عليهِ الجوابُ بقولِه تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ} .

الظاهِرُ أنَّ الأمْرَ الواردَ على النفوسِ بعدَ تَشَوُّقٍ وتَطَلُّعٍ منها إليهِ أَوْقَعُ فيها، وأقرَبُ منْ قَبُولِها لهُ ممَّا فُوجِئَتْ بهِ.

والتعظيمِ، نحوَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ، الاستفهامُ ههنا للنفيِ، لكنَّ المقصودَ منهُ التعظيمُ والبيانُ لكبرياءِ شأنِه تعالى، بأنَّهُ لا أحَدَ يَسْتَقِلُّ بأنْ يَدْفَعَ ما يُريدُهُ هوَ سُبْحَانَهُ شفاعةً واستكانةً، فضلًا أنْ يُعَاوِقَهُ عَنَاءٌ أوْ مُقَابَلَةٌ.

ولعَلَّكَ قدْ تَفَطَّنْتَ منْ هذا أنَّ الاستفهامَ الْمُسْتَعْمَلَ للتعظيمِ لا يَجِبُ أنْ يكونَ لتعظيمِ ما دَخَلَتْ عليهِ كلمةُ الاستفهامِ، بلْ ربَّما يكونُ التعظيمُ ما يَتَعَلَّقُ بهِ بنحوٍ من التَّعَلُّقِ والتحقيرِ، نحوَ: أهذا الذي مَدَحْتَهُ كثيرًا؟ فالاستفهامُ ههنا لقَصْدِ الاحتقارِ والاستخفافِ بالْمُشَارِ إليهِ معَ أنَّكَ تَعْرِفُهُ؛ ولهذا جِيءَ باسمِ الإشارةِ الدَّالِّ على التحقيرِ أيضًا.

والتَّهَكُّمِ، أي الاستهزاءِ والسخْرِيَةِ، نحوَ: أَعَقْلُكَ يُسَوِّغُ لكَ أنْ تَفْعَلَ كذا؟ فليسَ المرادُ بهِ السؤالَ عنْ كونِ عَقْلِ المخاطَبِ مُسَوِّغًا بما ذُكِرَ، بل المقصودُ الاستخفافُ بشأنِ عَقْلِه.

والتعجُّبِ، نحوَ: {مَا لِهَذَا الرَّ‍سُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} ، فإنَّ الغَرَضَ منْ هذا الاستفهامِ التعجُّبُ؛ لأنَّهُم لَمَّا رَأَوا الرسولَ يَأْكُلُ كما يَأْكُلُ غيرُه، وَيَتَرَدَّدُ في الأسواقِ كما يَتَرَدَّدُ غيرُه فيها، تَعَجَّبُوا منْ حالِه بناءً على زَعْمِهم أنَّ الرسولَ يَجِبُ أنْ يكونَ مُسْتَغْنِيًا عن الأكْلِ والتَّعَيُّشِ.

والتنبيهِ على الضَّلالِ، نحوَ: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} ، إذْ ليسَ القَصْدُ منهُ الاستعلامَ عنْ مَذْهَبِهِم، بل التنبيهَ على ضَلَالِهِم، وأنَّهُم لا مَذْهَبَ لهم يَنْجُونَ بهِ.

والوعيدِ، نحوَ: أَتَفْعَلُ كذا وقدْ أَحْسَنْتُ إليكَ؟ فإنَّهُ يَدُلُّ على كراهةِ الإساءةِ بمقابَلَةِ الإحسانِ المُقْتَضِيَةِ للزَّجْرِ بالوعيدِ، فيُحْمَلُ على الوعيدِ بهذهِ القَرِينَةِ.

وأمَّا التَّمَنِّي فهوَ طَلَبُ شيءٍ محبوبٍ لا يُرْجَى حصولُه، وذلكَ لكونِه مُستحيلًا عَقْلًا أوْ عَادَةً أوْ مُمْكِنًا بَعِيدَ الوقوعِ، فإنَّ كُلًّا منهما مِمَّا لا يُرْجَى حصولُه، كقولِه:

ألا لَيْتَ الشبابَ يَعودُ يَوْمًا ... فأُخْبِرُهُ بما فَعَلَ الْمَشِيبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت