الجوابَ هوَ الفَصْلُ أو الخاصَّةُ لا غيرَ؛ وذلكَ لأنَّهُم لَمَّا رَأَوْا أنَّ السؤالَ بأيٍّ عن الْمُمَيِّزِ، وكانَ المقصودُ في علومِهم تمْيِيزَ الْمَاهِيَّاتِ، والمميِّزُ لها ليسَ إلَّا الفَصْلُ أو الخاصَّةُ، حَكَمُوا بأنَّ الجوابَ عن السؤالِ بأيٍّ هوَ الفصْلُ أو الخاصَّةُ، نحوَ: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا} ؟ هذا حكايةٌ لكلامِ الْمُشْرِكِينَ لعُلَمَاءِ اليهودِ، فالْفَرِيقِيَّةُ أمْرٌ يَعُمُّ الفريقيْنِ. وقد اعتَقَدَ الْمُشْرِكُونَ أنَّ أحدَ الفريقينِ تَثْبُتُ لهُ الخيريَّةُ، فسألوا عَمَّا يُمَيِّزُ هذا الفريقَ، فكأنَّهُم قالوا: أَنَحْنُ خيرٌ أَمْ أصحابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليهِ وسَلَّمَ؟ والجوابُ الذي يَحْصُلُ بهِ التمييزُ هوَ الجوابُ بالتعيينِ؛ ولذا أجابَهم اليهودُ بقولِهم: أنْتُمْ. لكنَّهُم مُرَاءُونَ في هذا الجوابِ كاذبونَ، ولوْ قالوا: أصحابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ لكانوا صادِقِينَ في الجوابِ ناطِقِينَ بالحقِّ. فيُسألُ بها عنْ كلِّ ما يُمَيِّزُ الْمُبْهَمَ الذي أُضِيفَتْ كلمةُ أيٍّ إليهِ من الزمانِ والمكانِ والحالِ والعددِ والعاقلِ وغيرِه.
ويكونُ تعيينُ واحدٍ منها حسَبَ ما تُضَافُ كلمةُ أيٍّ إليهِ، لا عن الفَصْلِ والخاصَّةِ فقطْ كما هوَ اصطلاحُ أربابِ المعقولِ.
وقدْ تَخْرُجُ ألفاظُ الاستفهامِ عنْ معناها الأصليِّ الذي هوَ الاستفهامُ، وتُستَعْمَلُ لمعانٍ أُخَرَ تُفْهَمُ منْ سياقِ الكلامِ، وتُناسِبُ معناها الأصليَّ، فيكونُ استعمالُها في تلكَ المعاني مَجازًا.
كالتَّسْوِيَةِ، نحوَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ، فإنَّ كلمةَ الهمزةِ وأَمْ ههنا قدْ خَرَجَتا عنْ معناهما الأصليِّ الذي هوَ الاستفهامُ عنْ أَحَدِ الْمُسْتَوِيَيْنِ في عِلْمِ الْمُسْتَفْهِمِ لِمُجَرَّدِ معنى الاستواءِ، فإنَّ اللفظَ الحاملَ لِمَعْنَيَيْنِ قدْ يُجَرَّدُ لأحدِهما، ويُسْتَعْمَلُ فيهِ وحدَهُ كما في صِيغةِ النداءِ؛ فإنَّها كانتْ للاختصاصِ النِّدَائِيِّ فَجُرِّدَتْ لِمُطْلَقِ الاختصاصِ في قولِكَ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لنا أيَّتُهَا العِصابةُ؛ ولذا بَطَلَ مُقْتَضَى الاستفهامِ من الصَّدَارَةِ، وكونُهما لأحدِ الأمرينِ.
والنفيِ، نحوَ: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} ، أيْ: ما جزاءُ الإحسانِ بالطاعةِ إلَّا الإحسانُ بالثوابِ، فهلْ ههنا بمعنى الْجَحْدِ والنفيِ.
والإنكارِ، وفي هذه الصورةِ يكونُ الْمُنْكَرُ ما يَلِي الهمزةَ، اسمًا كانَ أوْ فِعْلًا. ففي قولِه نحوَ: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} ، الْمُنْكَرُ هوَ المفعولُ، وهوَ غيرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لا نفسُ الدعاءِ؛ لأنَّ الدعاءَ مُسَلَّمٌ. والْمُنْكَرُ إنَّما هوَ كونُ الْمَدْعُوِّ غيرَ اللَّهِ تعالى. وفي قولِه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ، الْمُنْكَرُ الفعلُ وهوَ النفيُ، فيكونُ المرادُ الإثباتَ؛ لأنَّ إنكارَ النفيِ إثباتٌ، أيْ: اللَّهُ كافٍ عبدَهُ.
والأمرِ، نحوَ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، ونحوَ: {أَأَسْلَمْتُمْ} ، فالأوَّلُ بمعنى انْتَهُوا، والثاني بمعنى أَسْلِمُوا، بصيغةِ الأمْرِ.
والنهيِ، نحوَ: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} ، أيْ: لا تَخْشَوْا إيَّاهُمْ؛ فاللَّهُ أَحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ.