يكونَ للمتكلِّمِ إلى إحضارِ شيءٍ بعينِه في ذهْنِ المخاطَبِ طريقٌ سوى الإشارةِ الحسِّيَّةِ، كقولِكَ: بِعْنِي هذا، مشيرًا إلى شيءٍ لا تَعْرِفُ لهُ اسمًا ولا وَصْفًا؛ فإنَّكَ لا تَجِدُ حينئذٍ طريقًا إلى إحضارِه سوى الإشارةِ. أمَّا إذا لم يَتَعَيَّنْ طريقًا لذلكَ فيكونُ لأغراضٍ أُخرى:
(1) كإظهارِ الاستغرابِ، وهذا في مَقَامٍ يكونُ للمشارِ إليه اختصاصٌ بحُكْمِ بديعٍ، نحوَ: (كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ) ، أيْ كاملِ العقْلِ مُتَنَاهٍ فيهِ. فإنَّ تَكرارَ اللفظِ بقَصْدِ الوَصْفِيَّةِ يُفيدُ ذلكَ، كما يُقالُ: مَرَرْتُ برَجُلٍ رجُلٍ، أيْ: كاملٍ في الرجوليَّةِ. (أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ) ، أيْ أَعْيَتْهُ وَأَعْجَزَتْهُ طُرُقُ معاشِه، فلا يَنالُ منهما إلَّا قليلًا. (وكمْ جاهلٍ جاهلٍ) ، أيْ: كاملِ الجهْلِ، (تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا) ، (هذا) ، أيْ: كونُ العاقلِ محرومًا، والجاهلِ مرزوقًا، (الذي تَرَكَ) ، أيْ: صَيَّرَ، (الأوهامَ حائرةً) ، أيْ: مُتَحَيِّرَةً؛ إذْ لمْ تَفْهَم السرَّ في ذلكَ، وصيَّرَ العالِمَ النِّحريرَ، أيْ: الْمُتْقِنَ للعلومِ، مِنْ نَحَرَ العلومَ أَتْقَنَها، (زِنْدِيقًا) ، أيْ: كافرًا نَافيًا للصانِعِ الحكيمِ. فالحُكْمُ البديعُ الذي اخْتُصَّ بهِ الْمُشارُ إليه هوَ تصْيِيرُ المشارِ إليه الأوهامَ حائرةً، والعالِمَ النحريرَ زِنديقًا، وإنَّما أَظْهَرَ اسمَ الإشارةِ ههنا للاستغرابِ؛ لأنَّ الإشارةَ بهِ في الأصْلِ إلى محسوسٍ، ففي التعبيرِ بهِ عن الأمْرِ المعقولِ، وهوَ كونُ العاقلِ محرومًا، والجاهلِ مرزوقًا، إظهارُه في صورةِ المحسوسِ، فكأنَّهُ يقولُ: هذا الْمُتَعَيَّنُ الذي صارَ كالمحسوسِ هوَ الْمُخْتَصُّ بهذا الحكْمِ البديعِ العجيبِ، وهذا أمْرٌ مُسْتَغْرَبٌ جِدًّا.
(2) وكمالِ العنايةِ بهِ، أيْ بمعنى اسمِ الإشارةِ الْمُعَبَّرِ عنهُ بهِ وبتمييزِه. وتلكَ العنايةُ والاهتمامُ إمَّا للتعظيمِ أو الإهانةِ حسَبَ ما يَرِدُ عليهِ منْ صِفَةِ مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ على وجهٍ لا يَتَطَرَّقُ إلى عَظَمَتِه أوْ ذِلَّتِه التباسٌ أصلًا، نحوَ قولِ الْفَرَزْدَقِ في مَدْحِ الإمامِ زيْنِ العابدينَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهُ وتعظيمِه:
هذا الذي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ * والبيتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ
أيْ: هذا الممدوحُ الممتازُ عَمَّا عَدَاهُ الذي تَرَاهُ رَأْيَ العينِ اخْتُصَّ بِحُكْمٍ لا يَشْتَرِكُ فيهِ غيرُه، وهوَ كونُه في الفضائلِ بحيثُ يَعْرِفُهُ ما ليسَ لهُ رُوحٌ وَعَقْلٌ، فَضْلًا عنْ ذَوِي العقولِ.
(3) وبيانِ حالِه، أيْ حالِ معناهُ في القُرْبِ والبُعْدِ. ولم يَذْكُر التوسُّطَ؛ لأنَّ المرادَ بالقُرْبِ ههنا مقابِلُ البُعْدِ، فيَشْمَلُ التَّوَسُّطَ أيضًا، نحوَ: (هذا يُوسفُ) ، في بيانِ حالِه من الْقُرْبِ الحقيقيِّ. وذاكَ أخوهُ، في بيانِ حالِه من التَّوَسُّطِ الذي هوَ القرْبُ الإضافيِّ، أيْ بالنسبةِ إلى الْبُعْدِ. وذلكَ غُلامُه، في بيانِ حالِه من الْبُعْدِ.
(4) والتعظيمِ، أيْ تعظيمِ معناهُ بسببِ دَلالتِهِ على القُرْبِ أو البُعدِ. أمَّا الأوَّلُ؛ فلأنَّ عَظَمَةَ الشيءِ يَقْتَضي التوجُّهَ إليه والتقرُّبَ منهُ، نحوَ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ} ، فقدْ أَوْرَدَ ههنا اسمَ الإشارةِ الموضوعَ للقُرْبِ قَصْدًا لتعظيمِ القرآنِ، وإشعارًا بأنَّهُ معَ قُربِه قدْ بَلَغَ في كمالِه بحيثُ لا يُكْتَنَهُ ولا يُدْرَكُ إلَّا بالإشارةِ.