أو التصديقِ: فهيَ غيرُ مُخْتَصَّةٍ بواحدٍ منهما. والتصوُّرُ هوَ إدراكُ الْمُفْردِ، أيْ غيرِ النِّسْبَةِ التامَّةِ الخبريَّةِ؛ لأنَّ التصوُّرَ مقابِلُ التصديقِ. وقدْ فَسَّرَ التصديقَ بُعَيْدَ هذا بإدراكِ النِّسْبَةِ، وأرادَ بالنِّسْبَةِ هناكَ النِّسْبَةَ التامَّةَ الخبريَّةَ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ المرادُ بالمفرَدِ ههنا مُقابِلَ هذهِ النِّسْبَةِ، كقولِكَ: أَعَلِيٌّ مسافِرٌ أَمْ خالِدٌ؟ تَعتقِدُ قبلَ السؤالِ أنَّ السَّفَرَ قدْ حَصَلَ منْ أحدِهما منْ غيرِ تَعيينِ مسافِرٍ، ولكنْ لمْ تَعْلَم المحكومَ عليهِ بهذا الحُكْمِ على وجهِ التفصيلِ والتعْيِينِ، فتَقْصِدُ علْمَهُ بهذا الوجهِ، وتطلُبُ تَعيينَه. فيكونُ المطلوبُ بالسؤالِ هوَ تَصَوُّرَ المحكومِ عليهِ بهذا الوجْهِ لا التصديقَ بِمحصولِه قبلَ السؤالِ؛ ولذا يُجابُ بالتعيينِ فيُقالُ: عليٌّ مَثلًا. فحينئذٍ يَحْصُلُ لكَ تَصَوُّرُ المحكومِ عليهِ بخصوصِه، وأنَّهُ عليٌّ. والتصديقُ هوَ إدراكُ النِّسبةِ،
نحوَ: أَمُسَافِرٌ عليٌّ؟ تَستفْهِمُ عنْ حُصولِ السفَرِ وعدمِه، وتَطْلُبُ التصديقَ بأنَّ حصولَه معنًى مُتحقِقٌ في الواقعِ أوْ لا، ولذا يُجابُ بنَعَمْ أوْ لا، فَيَحْصُلُ لكَ التصديقُ بوقوعِ تلكَ النِّسبةِ أوْ لا وقوعِها، والمسئولُ عنهُ في التصَوُّرِ ما يلي الهمزةَ من المسنَدِ إليه والمسنَدِ أوْ شيءٍ منْ مُتَعَلِّقَاتِهما، ويكونُ لهُ معادِلٌ يُذْكَرُ بعدَ أَمْ، وتُسَمَّى مُتَّصِلَةً، أيْ حقُّهُ أنْ تُرْدَفَ فيهِ الهمزةُ بأَم المتَّصِلَةِ؛ لتَدُلَّ على أنَّ الاستفهامَ لتعْيِينِ أحَدِ الْمُفْرَدَيْنِ الْمُتَّصِلِ أحدُهما بالهمزةِ والآخَرُ بأَمْ، معَ حصولِ أصْلِ التصديقِ بالحكْمِ، فتقولُ في الاستفهامِ عن المسنَدِ إليه: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا أمْ يُوسفُ؟ إذا كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ شَخْصًا صَدَرَ منهُ الفِعْلُ، وشَكَكْتَ في كونِه المخاطَبَ أوْ غيرَهُ، فالسؤالُ ههنا لطَلَبِ تعيينِ المسنَدِ إليه والفاعلِ.
وتقولُ في الاستفهامِ عن المسنَدِ: أَرَاغِبٌ أنتَ عن الأمْرِ أمْ راغبٌ فيهِ؟ إذا حَصَلَ لكَ التصديقُ بأنَّهُ قدْ وَقَعَ رغبتُه من المخاطَبِ، ولكنْ لا تَعْرِفُ أنَّها عن الآخَرِ أوْ فيهِ، فالسؤالُ ههنا لِطَلَبِ تَصَوُّرِ الْمُسْنَدِ بخصوصِه وتَعيينِه.
وتقولُ في الاستفهامِ عن المفعولِ: أَإِيَّايَ تَقْصِدُ أمْ خالدًا؟ إذا عَرَفْتَ أنَّ مُخاطَبَكَ قَصَدَ أحدًا منكَ وخالدًا، ولكنْ ما عَرَفْتَ هلْ وَقَعَ هذا القَصْدُ عليكَ أمْ على خالدٍ، فالسؤالُ ههنا لتعيينِ المفعولِ.
وتقولُ في الاستفهامِ عن الحالِ: أراكِبًا جِئْتَ أمْ ماشيًا؟ إذا كانَ الشكُّ في حالِ المجيءِ، هلْ هيَ الركوبُ أو الْمَشْيُ معَ حصولِ التصديقِ بوقوعِ المجيءِ من المخاطَبِ، فالمقصودُ من السؤالِ ههنا طَلَبُ تعيينِ الحالِ.
وتقولُ في الاستفهامِ عن الظرْفِ: أيومَ الخميسِ قَدِمْتَ أمْ يومَ الجُمُعَةِ؟ إذا كُنْتَ شَكَكْتَ في زمانِ القُدومِ بأنَّهُ أيُّ يومٍ هوَ، معَ القطْعِ بوقوعِ القُدومِ من المخاطَبِ، فالسؤالُ ههنا لطلَبِ تَصَوُّرِ الظرْفِ وتعيينِه. وهكذا قياسُ سائرِ المعمولاتِ.
وقدْ لا يُذْكَرُ المعادِلُ، أيْ لفظًا، لكنَّهُ يُعْتَبَرُ تقديرًا، فتقولُ في الاستفهامِ عن المسنَدِ إليه بحذفِ المعادِلِ، نحوَ: أَأَنْتَ فعلْتَ هذا؟ وعن المسنَدِ: أراغبٌ أنْتَ عن الأمْرِ؟ وعن المفعولِ: أَإِيَّايَ تَقْصِدُ؟ وعن الحالِ: أراكبًا جئْتَ؟ وعن الظرْفِ: أيومَ الخميسِ قَدِمْتَ؟ وهكذا قياسُ باقي المعمولاتِ.
والمسئولُ عنه في التصديقِ النِّسْبَةُ الرابطةُ بينَ المسنَدِ إليه والمسنَدِ لأحدِهما أوْ شيءٍ منْ قيودِهما، حتَّى يكونَ هُوَ أَوْلَى بالإيلاءِ منْ غيرِه. بلْ إيلاءُ الكلامِ بتمامِه الهمزةَ على النظْمِ الطَّبَعيِّ منْ غيرِ تقديمٍ لِمَا يُشْعِرُ أنَّ تقديمَهُ إنَّما هوَ لِقَصْدِ الاستفهامِ عنهُ يَدُلُّ على أنَّ المطلوبَ هوَ التصديقُ بالنِّسْبَةِ. ولا يكونُ لها معادِلٌ؛ فإنَّ الهمزةَ في هذا القِسمِ تُغْنِي غَناءَ أمْ، فلا حاجةَ إلى