الصفحة 16 من 111

وأمَّا النهيُ فهوَ طَلَبُ الْكَفِّ عن الفعْلِ: أيْ عن الفعْلِ المأخوذِ منهُ الصيغةُ نحوَ: لا تَزْنِ؛ فإنَّه طَلَبُ الكَفِّ عن الزِّنَا المأخوذِ منهُ هذه الصيغةُ، فلا يُنْقَضُ التعريفُ بنحوَ: كُفَّ عن القَتْلِ؛ لأنَّهُ طَلَبُ الْكَفِّ عن القتْلِ، وهوَ غيرُ الفعْلِ المأخوذِ منهُ صيغةُ الأمْرِ.

على وجْهِ الاستعلاءِ: أيْ عَدُّ الآتِي بصيغتِه لنفسِه عاليًا. وقدْ مَرَّ في الأمْرِ تفصيلُه، ولهُ صيغةٌ واحدةٌ وَحْدَةً نوعيَّةً، وهيَ المضارِعُ معَ لا الناهِيَةِ، فهوَ واحدٌ بالنوعِ وإنْ كانَ تحتَهُ أشخاصٌ كثيرةٌ، كقولِه تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} نَهْيًا عن الفسادِ. وقدْ تَخْرُجُ صيغتُهُ عنْ معناها الأصليِّ، وهوَ طلَبُ الكفِّ عن الفعْلِ على وجهِ الاستعلاءِ، إلى معانٍ أُخَرَ ليسَ فيها طلَبُ الْكَفِّ على وجْهِ الاستعلاءِ تُفْهَمُ من الْمَقامِ والسياقِ، سواءٌ كانَ فيها طَلَبٌ بدونِ الاستعلاءِ:

كالدعاءِ، نحوَ: {لا تُشْمِتْ} ، أيْ: لا تُفْرِحْ بيَ الأعداءَ بإهانَتِكَ إيَّايَ.

والالتماسِ: كقولِك لِمَنْ يُساوِيكَ: لا تَبْرَحْ منْ مَكَانِكَ حتَّى أَرْجِعَ إليكَ.

والتَّمَنِّي نحوَ: لا تَطْلُعْ، في قولِه:

يا ليلُ طُلْ، يا نَوْمُ زُلْ * يا صُبْحُ قِفْ، لَا تَطْلُعِ

فصيغةُ لا تَطْلُعْ ههنا ليسَ للطَّلَبِ إذْ ليسَ الصبْحُ مِمَّا يُخَاطَبُ بذلكَ ويَفْهَمُ الْخِطابَ، بلْ لِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي، أوْ لمْ يكُنْ فيها طلَبٌ أصْلًا، ومثالُه ما ذَكَرَهُ بقولِه.

والتهديدِ: أي التخويفِ وَالتَّوَعُّدِ، كقولِك لخادِمِك: لا تُطِعْ أَمْرِي، وإنَّما كانَ هذا تهديدًا لِلْعِلْمِ الضروريِّ بأنَّ المطلوبَ من الخادِمِ امتثالُه الأمْرَ، لا تَرْكَ إطاعةِ الأمْرِ، فهوَ للتهديدِ، فكأنَّكَ قُلْتَ: لا تُطِعْ أَمْرِي فَسَتَرَى ما يَلْزَمُكَ على تَرْكِ الإطاعةِ.

وأمَّا الاستفهامُ فهوَ طَلَبُ العلْمِ بشيءٍ، أيْ بالأدواتِ المخصوصةِ، فلا يَرِدُ نحوَ: عَلِّمْنِي، على صيغةِ الأمْرِ.

وأدواتُه، أيْ كلماتُه، من الحروفِ الدالَّةِ عليه، والأسماءِ الْمُتَضَمِّنَةِ لمعناهُ: الهمزةُ، وهلْ، وما، ومَنْ، ومتى، وأيَّانَ، وكيفَ، وأينَ، وأنَّى، وكمْ، وأيُّ. وهذهِ الأدواتُ إِمَّا مُخْتَصَّةٌ بطَلَبِ التَّصَوُّرِ أوْ بطلَبِ التصديقِ، أوْ غيرُ مُخْتَصَّةٍ بشيءٍ منهما.

فالقِسْمُ الثالثُ هوَ الهمزةُ، والثاني هلْ، والأوَّلُ بقيَّةُ الكلماتِ.

فالهمزةُ لطلَبِ التَّصَوُّرِ: أيْ تَصَوُّرِ الْمُسْتَفْهَمِ عنهُ بوَجْهٍ مخصوصٍ لم يكُنْ حاصلًا بهذا الوجهِ، وإنْ كانَ تَصَوُّرُه بوجهٍ آخَرَ ضَروريًّا؛ لظُهورِ استحالةِ طَلَبِ ما لم يُتَصَوَّرْ أَصْلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت