ذَكَرَ بعدَ ذلك إسنادَ ابنِ جَريرٍ قالَ: حَدَّثَنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، شيخٌ مِن مشائخِ البخاريِّ ومسلمٍ، يقالُ له: محمدُ بنُ بشارٍ العبديُّ، ويُلَقَّبُ: بُندارٌ، أنبأنا وكيعٌ؛ وكيعُ بنُ الجرَّاحِ: العالمُ المشهورُ، أنبأنا سفيانُ. إذا أُطْلِقَ وكيعٌ فهو: سفيانُ الثوريُّ، عن الأعمشِ الذي هو: سليمانُ بنُ مِهرانَ، عن مسلمٍ الذي هو: مسلمُ بنُ صبيحٍ، ويُكَنَّى بأبي الضحى، عن مسروقٍ، الذي هو تلميذُ ابنِ عباسٍ وتلميذُ ابنِ مسعودٍ قالَ: قالَ عبدُ اللهِ، يعني: ابنُ مسعودٍ: نِعْمَ تُرْجُمانُ القرآنِ ابنُ عباسٍ. شهادةُ ابنِ مسعودٍ وهو مِن أَجِلاَّءِ الصحابةِ لابنِ عبَّاسٍ أنه تُرجُمانُ القرآنِ، يعني: مُفَسِّرُه؛ أنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ عليه فصارَ يُفَسِّرُ القرآنَ.
ثم رواه ابنُ جريرٍ، عن يحيى بنِ داودَ، عن إسحاقَ الأزرقِ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مسلمِ بنِ صبيحٍ أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن ابنِ مسعودٍ، يعني: مَدارُه على الأعمشِ أو على سفيانَ، أنه قالَ:"نِعْمَ التُّرْجُمَانُ لِلْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ". نِعْمَ: مَدْحٌ له.
ثم رواه أيضًا عن بُنْدَارٍ الذي هو: محمدُ بنُ بَشَّارٍ، عن جعفرِ بنِ عَوْنٍ، عن الأعمشِ؛ به؛ فأَصْبَحَ ابنُ بشَّارٍ رواه عن الشيخينِ: عن وكيعٍ، وعن ابنِ عونٍ، وأصبَحَ الذين رَوَوْهُ عن الأعمَشِ: جَعْفَرَ بنَ عونٍ، وسفيانَ الثوريَّ، فهذا إسنادٌ صحيحٌ، حيث إنه صَحَّ عن الأعمَشِ مِن طريقينِ: مِن طريقِ سفيانَ الثوريِّ، ومِن طريقِ جعفرِ بنِ عونٍ، صحيحٌ إلى ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنه قالَ في ابنِ عبَّاسٍ هذه العبارةَ تَزْكِيَةً مِن ابنِ مسعودٍ لابنِ عبَّاسٍ.
ثم يقولُ: وقد ماتَ ابنُ مسعودٍ في سنةِ ثلاثٍ وثلاثينَ، وفي روايةٍ: في سنةِ اثنتينِ وثلاثينَ، ماتَ في هذه السنةِ قبلَ موتِ عثمانَ بسنتينِ أو بثلاثِ سنواتٍ، ذَكَرَه ابنُ كثيرٍ في التاريخِ في سنةِ اثنتينِ وثلاثينَ، وهي السَّنَةُ التي ماتَ فيها أبو ذَرٍّ، والتي ماتَ فيها عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، وماتَ فيها العباسُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ، ولكن يُمْكِنُ أنه ماتَ في أوَّلِ السنَةِ التي بعدَها: سنةِ ثلاثٍ وثلاثينَ، وعُمِّرَ ابنُ عباسٍ بعدَه سِتاًّ وثلاثينَ سنةً، فعلى هذا يكونُ ماتَ سنةَ ثمانٍ أو تسعٍ وستينَ، ومشهورٌ أنه ماتَ سنةَ ثمانٍ وسِتِّينَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
يقولُ: فما ظَنُّكَ بما كَسَبَه مِن العلومِ بعدَ ابنِ مسعودٍ، ما فَتَحَ اللهُ تعالى عليه وما رَزَقَهُ مِن العلومِ، وما تَعَلَّمَهُ مِن بقيَّةِ الصحابةِ الذين عاشُوا بعدَه - بعدَ ابنِ مسعودٍ - ما أَخَذَه عن الصحابةِ: أَخَذَ عن عائشةَ، وأَخَذَ عن عليٍّ، وأَخَذَ عن عثمانَ، وأَخَذَ عن أبي هُريرةَ، وغيرِهم مِن الصحابةِ الذين أَدْرَكَهم، سواءٌ ماتوا بعدَه كابنِ عمرَ، أو ماتوا قبلَه كأبي هُريرةَ، أخَذَ عنهم كثيرًا، فذَكَرَ نحوَ هذا الكلامِ ابنُ كثيرٍ في مُقَدِّمَةِ التفسيرِ يقولُ: وقالَ الأعمشُ، عن أبي وائلٍ: استَخْلَفَ عليٌّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ على الْمَوْسِمِ - يعني: على مَوْسِمِ الحجِّ - في خِلافةِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، فخَطَبَ الناسَ - يَظْهَرُ أنَّ ذلك في مِنًى - فقَرَأَ في خُطبتِه سورةَ البقرةِ، وفي روايةٍ: سورةَ النورِ، والمشهورُ أنه فَسَّرَ سورةَ النورِ، فَسَّرَها تفسيرًا لو سَمِعَتْهُ الرومُ والتُّرْكُ والدَّيْلَمُ لأَسْلَموا، يعني: مِن بلاغتِه رَضِيَ اللهُ عنه؛ وذلك مما فَتَحَ اللهُ تعالى عليه، ومما رَزَقَه اللهُ تعالى مِن بلاغةٍ وقُوَّةِ أسلوبٍ، وتعبيرٍ واضحٍ، وتفسيرٍ للمعاني، وإظهارِ بيانِ القرآنِ، وإظهارِ بلاغتِه وإعجازِه، وإظهارِ كثرةِ ما فيه مِن المعاني؛ المعاني الكثيرةِ التي يَفْتَحُ اللهُ تعالى بها على بعضِ عِبادِه.