ثم يقولُ: وقالَ الأعمشُ أيضًا: عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ قالَ: كان الرجلُ منا إذا تَعَلَّمَ عشرَ آياتٍ لم يُجاوِزْهُنَّ حتى يَعرفَ معانيَهُنَّ والعملَ بهن. وذلك؛ لأن القرآنَ أُنْزِلَ للعملِ به، ثم اتخذَ الناسُ تلاوتَه عَملًا، فذَكَرَ ابنُ مسعودٍ أن الرجلَ لا يَتجاوزُ عشرَ آياتٍ، حتى يَتعلَّمَ كيف تطبيقُها وكيف معانيها، وكيف دَلالاتُها ممن يَتعلَّمُ.
لا شكَّ أنه يَتعلَّمُه مِن النبيِّ محمدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ؛ فإنه مَرْجِعُهم وأُستاذُهم، يَتعلَّمُون منه، فلا جَرَمَ اختُصُّوا بأنهم يُمَيِّزُون ما تَعلَّموه، فيكونُ تَعَلُّمُهم أفضلَ مِن تَعَلُّمِ غيرِهم، فالمتأخِّرونَ يُمْكِنُ أنهم يَقْتَصِرونَ على تَعَلُّمِ الألفاظِ ولا يَهْتَمُّونَ بتَعَلُّمِ المعاني، وأما الصحابةُ فشَهِدَ ابنُ مسعودٍ في هذا، وكذلك شَهِدَ عليٌّ وعثمانُ أنهم لا يَتجاوزون عشْرَ آياتٍ إلا بعدَ أن يَتَعَلَّمُوا معانيَها، وكلُّ ذلك دليلٌ على أنهم يَهْتَمُّونَ بالمعاني كاهتمامِهم بالألفاظِ، ومنهم الحبْرُ البحرُ - الحبرُ: واحدُ الأحبارِ، وهم العلماءُ - عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، بحرٌ يعني: بحرٌ في العلومِ، وحبرُ الأمَّةِ، يُسَمَّى: حبرَ الأمَّةِ، وتُرجُمانَ القرآنِ, تُرجُمانُ: هو الْمُتَرْجِمُ، ومعنى: أنه يُتَرْجِمُ الآياتِ، يعني: يُفَسِّرُها، كما يُتَرْجَمُ الكلامُ إلى لغةٍ أخرى، فيُسَمَّى: تُرْجُمانَ القرآنِ، يعني: معلِّمَ القرآنِ ومُبَيِّنَه، هو ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ما أَسْلَمَ إلا مُتَأَخِّرًا، كانت وِلادتُه قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، ولكن ما هاجَرَ إلا في سنةِ ثمانٍ مع أبيهِ، قبلَ الفتْحِ بأَشْهُرٍ، ولما هاجَرَ تَتلمذَ على الصحابةِ، وكذلك لازَمَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وأكثَرُ ما أَخَذَه عن الصحابةِ.
ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أنَّ الأحاديثَ التي رواها عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ مباشَرَةً قد لا تَصِلُ إلى عشرةِ أحاديثَ أو عشرينَ حديثًا، ومع ذلك فإنَّ الأحاديثَ التي رواها قد تَصِلُ إلى ألفينِ، مجموعُها في مُسْنَدِ الإمامِ أحمدَ، ومُسندِ بَقِيِّ بنِ مخلدٍ. مِن أينَ أَخَذَها؟ مِن الصحابةِ، يقولُ في بعضِ الرواياتِ: لَمَّا تُوُفِّيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُلتُ لشابٍّ مِن الأنصارِ: هَلُمَّ فلْنَأْخُذْ عن الصحابةِ؛ فإنهم مُتوافِرونَ الآنَ، نتَعَلَّمُ منهم حتى نَحْمِلَ ما معهم مِن العِلْمِ. فقالَ ذلك الشابُّ: عَجَبًا لك يا ابنَ عباسٍ؛ أتَظُنُّ الناسَ يَحتاجونَ إليك؟! أليسَ فيهم صحابةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. يقولُ: فأَعْرَضْتُ عن كلامِه، وأَقْبَلْتُ على التعلُّمِ، فكان يُذْكَرُ لي الحديثُ عندَ أحَدِ الصحابةِ فأَطْرُقُ عليه بابَه، فيقالُ: إنه نائمٌ في القَيْلُولةِ، فأَقْعُدُ عندَ البابِ، تَسْفِي الريحُ في وجهي، فإذا قامَ إلى الصلاةِ ورآني قالَ: ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ! هلا أَخْبَرْتَنِي وأنا آتيكَ؟ فأقولُ: العلْمُ أَوْلَى أنْ يُؤْتَى إليه.
فكان هكذا يَتَعَلَّمُ مِن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، يَأخُذُ عنهم الأحاديثَ، ويَأخُذُ أيضًا عنهم تفسيرَ الآياتِ التي تَلَقَّوْها عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، إلى أن فَتَحَ اللهُ عليه، فبعدَ مُدَّةٍ أَكَبَّ الناسُ عليه، وصاروا يَتعلَّمونَ منه، ويَصْدُرُ عن فتواهُ الفِئامُ مِن الناسِ، فيَزدحمونَ عليه، ولا يَخْلُو مكانُه ممَّن يَتَتَلْمَذُ عليه ويَسألُه، فرآه بعدَ ذلك الشابُّ الأنصاريُّ فقالَ: أنتَ أَفْقَهُ مِنِّي. يعني: إنك اجتهَدْتَ وتَعلَّمْتَ، ثم نالَه ذلك أيضًا ببركةِ دعاءِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، حيث قالَ له: (( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) )، روايةُ: (( فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) )هذه أصَحُّ روايةٍ، (( عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) )مروِيَّةٌ مِن طُرُقٍ، وإن كان فيها شيءٌ أو في بعضِها مَقالٌ، ولكن حَصَلَ له الأمرانِ، فَقَّهَهُ اللهُ تعالى في الدِّينِ، فرَزَقَه الفِقْهَ، وكذلك التأويلَ الذي هو مَعرفةُ ما تَؤُولُ إليه المعاني.