ذَكَرَ العلماءُ في مُصْطَلَحِ الحديثِ أنَّ الحديثَ الموقوفَ قد يكونُ مرفوعًا حُكْمًا، وأنَّ المرفوعَ يَنقسِمُ إلى قِسمينِ: مَرفوعٌ صريحٌ ومرفوعٌ حُكْمًا.
والمرفوعُ حُكْمًا هو الذي يَتكلَّمُ به الصحابيُّ ولا يُسْنِدُه، لا يَرْفَعُه ولكن نَعرِفُ أنه لا يَتَجَرَّأُ عليه، ولا يقولُه مِن قِبَلِ نفْسِه، فإنَّ في ذلك تَجَرُّؤًا على اللهِ، والصحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم قد نَزَّهَهُم اللهُ تعالى؛ فهم أَوْرَعُ مِن أن يقولوا على اللهِ تعالى بلا عِلْمٍ، فإنَّ القولَ على اللهِ بلا عِلْمٍ كبيرةٌ، قد يكونُ أكبرَ مِن الشرْكِ، كما قالَ تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، وقالَ تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وأَخْبَرَ تعالى بأنَّ الذين يَتَخَبَّطُونَ في الحلالِ والحرامِ مُخطئونَ؛ لقولِه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} ، فالصحابةُ أوْرَعُ مِن أن يَتَخَبَّطُوا في الأحكامِ، فإذا رَأَيْنَا لهم تفاسيرَ تُوَضِّحُ الآياتِ المجمَلَةَ، ولم يَكُنْ للرأيِ فيها مَجالٌ حَمَلْنَاهَا على أنها مَرفوعةٌ، وفي ذلك تفسيرٌ يأتي إن شاءَ اللهُ.
يقولُ: إنَّ الصحابةَ أَدْرَى بذلك؛ لِمَا شاهَدُوهُ مِن القرآنِ. يعني: هم الذين حَضَرُوا التنزيلَ وعَرَفوا أسبابَه، وشاهَدُوا نزولَه، وما شاهَدُوهُ مِن الأحوالِ التي اخْتُصُّوا بها، يعني: خصائصَهم، وهي: صُحبةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وحضورُ التنزيلِ, ولِمَا لهم مِن الفَهْمِ التامِّ أيضًا، فَهْمًا ليس لغيرِهم، فَهْمُهم أقوى مِن فَهْمِ غيرِهم، ولِمَا لهم مِن العلْمِ الصحيحِ، ولما لهم مِن العمَلِ الصالحِ، والعملُ الصالحُ سببٌ للعلْمِ؛ اقْرَأْ قولَ اللهِ تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} ، فهم أَوْرَعُ الناسِ وأَتْقَى الناسِ، فلا جَرَمَ عَلَّمَهُم اللهُ تعالى وفَتَحَ عليهم، وكلُّ مَن أَصْلَحَ عَمَلَه فإنَّ اللهَ تعالى يُصْلِحُ قولَه.
يقولُ: لا سيَّما عُلَمَاؤُهُم وكُبَرَاؤُهم. يعني: الذين لهم صُحبةٌ قديمةٌ، وهم أكابِرُ الصحابةِ، كالخلفاءِ الراشدينَ الأئمَّةِ: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهم، يُسَمَّوْنَ أئمَّةً؛ لأنهم قُدوةٌ، ويُسَمَّوْنَ خُلفاءَ؛ لأنهم اسْتُخْلِفوا، وُلُّوا الخلافةَ بعدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ واحدًا بعدَ واحدٍ، فيُسَمَّوْنَ أئمَّةً مَهدِيِّينَ؛ لأنه عليه السلامُ وَصَفَهم بذلك؛ لقولِه: (( عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ) )، يعني: شَهِدَ لهم بأنهم أهلُ هدايةٍ.
ثم ذَكَرَ أيضًا مَن يُماثلُهم ممن عَلِمُوا القرآنَ وعَلِمُوا معانيَهُ، ومَثَّلَ بعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الصحابيِّ الجليلِ رَضِيَ اللهُ عنه, مِن مُتَقَدِّمِي المسلمينَ، أَسْلَمَ قديمًا في مكةَ، وصَحِبَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذَكَرَ أنه تَلَقَّى مِن فِيهِ سبعينَ سورةً بلا واسطةٍ، وبقيَّةُ السوَرِ أَخَذَها بواسطَةٍ، وذَكَرَ أنه قَرأهُ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وأَقَرَّهُ على قِراءتِه، وقالَ له: (( اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ) ).
ذَكَرَ إسنادًا عن ابنِ جريرٍ رَحِمَه اللهُ قالَ: حَدَّثَنا أبو كُريبٍ، وهو مِن مَشائخِ البخاريِّ ومسلمٍ، واسمُه محمدُ بنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنَا جابرُ بنُ نوحٍ، وهو مِن تابعِي التابعينَ؛ قالَ: أَنْبَأَنَا الأعمشُ - وهو مِن صِغارِ التابعينَ - سليمانُ بنُ مِهرانَ, عن أبي الضُّحَى واسمُه: مسلمُ بنُ صُبيحٍ، وهو أيضًا مِمَّنْ أَدْرَكَ ابنَ مسعودٍ، ولكنه يَرْوِي عنه أحيانًا بواسِطَةٍ عن مسروقٍ، وهو مِن خواصِّ تَلاميذِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه. قالَ: قالَ عبدُ اللهِ - يعني: ابنُ مسعودٍ، إذا أَطْلَقَ أصحابُه:"عبدَ اللهِ"انْصَرَفَ إلى ابنِ مسعودٍ - يقولُ: والذي لا إلهَ غيرُه! ما نَزَلَت آيةٌ مِن كتابِ اللهِ إلا وأنا أَعْلَمُ فيمَن نَزلتْ وأين نَزلَتْ. يعني: يَعْلَمُ سببَ نزولِها ويَعْلَمُ مكانَ نزولِها، القرآنُ كلُّه، وآياتُه التي تَزيدُ على ستَّةِ آلافِ آيةٍ، يقولُ: كلُّ آيةٍ يَعْرِفُ سببَ نزولِها، ويَعرِفُ مَوْضِعَ نزولِها، ثم يقولُ: ولو أَعْلَمُ مكانَ أَحَدٍ أَعلَمَ بكتابِ اللهِ مِنِّي تَنالُه الْمَطايا لأَتَيْتُهُ. يعني: لأَسْتَفِيدَ منه.