الآياتِ: أنَّ الآياتِ يُتَعَبَّدُ بتلاوتِها دونَ الأحاديثِ، وأنَّ الآياتِ تَصِحُّ الصلاةُ بها دُونَ الأحاديثِ، وأنَّ الآياتِ يَحْصُلُ الإعجازُ بها دونَ الأحاديثِ، ويُتَحَدَّى بالآياتِ ولا يُتَحَدَّى بالأحاديثِ، وأنَّ الآياتِ نُقِلَتْ بالتواتُرِ، وأَكْثَرُ السنَّةِ نُقِلَتْ بالآحادِ.
يقولُ: قد استَدَلَّ الإمامُ الشافعيُّ رَحِمَه الله وغيرُه مِن الأئمَّةِ على ذلك بأدلَّةٍ كثيرةٍ، وليس هذا مَوْضِعَ ذلك. تَجِدُونَ ذلك في كتابِ (الرسالةِ) للشافعيِّ، وقد شَرَحَها أحمد شاكر شَرْحًا مُطَوَّلًا، وعَلَّقَ عليها، فهي مُتَوَفِّرَةٌ، ففيها أدِلَّةٌ كثيرةٌ في حُكْمِ السنَّةِ، وأن السنةَ يجبُ العملُ بها، وكذلك في كتبِه الأخرى.
يقولُ: والغرَضُ أنك تَطْلُبُ تفسيرَ القرآنِ مِن القرآنِ، فإن لم تَجِدْهُ فمِن السنَّةِ. ثم اسْتَدَلَّ بحديثِ مُعاذٍ، قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لمعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليمنِ: (( بِمَ تَحْكُمُ؟ ) )، وفي روايةٍ: (( كَيْفَ تَحْكُمُ؟ ) )قالَ: بكتابِ اللهِ، قالَ: (( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ) )قالَ: بسنَّةِ رسولِ اللهِ، قالَ: (( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ) )قالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. فضَرَبَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في صَدْرِهِ وقالَ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ ) ).
جَوَّدَ الشيخُ إسنادَ هذا الحديثِ، يقولُ: وهذا الحديثُ في الأسانيدِ والسنَنِ بإسنادٍ جَيِّدٍ. مع أنَّ بعضَ العلماءِ طَعَنَ فيه وضَعَّفُوهُ، ولكن أكثرَهم يَجْزِمونَ بصحَّتِه، وقد تَكَلَّمَ عليه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في كتابِه (التلخيصِ الْحَبِيرِ) ، وحَكَى عن بعضِ الفقهاءِ أنهم يَجعلونَه في الصحيحينِ، مع أنه ليس في الصحيحينِ، وإنما وُجِدَ في بعضِ كُتُبِ السُّنَنِ، وهذا تصحيحٌ مِن شيخِ الإسلامِ له بقولِه: بإسنادٍ جَيِّدٍ. أَقَرَّه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على تقديمِ القرآنِ على السُّنَّةِ، وذلك دليلٌ على أن السنَّةَ في الْمَرتبةِ الثانيةِ، إنَّ مَن لم يَجِدِ الحكْمَ في القرآنِ الْتَمَسَه في السنَّةِ، وأنه مَثلًا لو وَجَدَ حديثًا مخالِفًا للقرآنِ عَمِلَ بالقرآنِ؛ لأن القرآنَ مُتواترٌ، وعُرِفَ أنَّ هذا الحديثَ المخالِفَ إما أنه مَنسوخٌ، وإما أنه ضعيفٌ.
ثم ذَكَرَ بعدَ ذلك مَن لم يَجِد التفسيرَ في الوَحْيَيْنِ: في القرآنِ والسنَّةِ، يقولُ: فحينئذٍ إذا لم نَجِد التفسيرَ في القرآنِ ولا في السنَّةِ فأين نَأْخُذُه؟. يقولُ: رَجَعْنا في ذلك إلى أقوالِ الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم تَلَقَّوُا الوحيَ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وتَعَلَّمُوا الآياتِ، ثم تَعَلَّمُوا العمَلَ بالآياتِ، وتَعَلَّمُوا أيضًا مِن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ المعانيَ، كما تَقَدَّمَ عن عبدِ اللهِ بنِ حبيبٍ السُّلَمِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الذين يُقْرِؤُونَنَا: عثمانُ بنُ عَفَّانَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وغيرُهما، أنهم كانوا إذا تَعَلَّمُوا مِن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ عَشْرَ آياتٍ لم يَتجاوَزُوها حتى يَتَعَلَّمُوا ما فيها، قالوا: فتَعَلَّمْنَا القرآنَ والعلْمَ والعمَلَ جميعًا.
فهذا دليلٌ على أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كان يُعَلِّمُهم المعانيَ كما يُعَلِّمُهم الألفاظَ. ثم إنَّ بعضَهم يَنْسِبُ التفسيرَ إلى نفْسِه ولا يَذكرُه مَرفوعًا، كأنه مِن بابِ الاختصارِ، يُفَسِّرُ الآيةَ مِن نفْسِه، وذلك مع كونِه أَخَذَه مَرفوعًا، أَخَذَه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وهذا هو تفسيرُ الكثيرينَ. يُوجَدُ تفاسيرُ عن كثيرٍ مِن الصحابةِ ولا يُصَرِّحونَ بأنه مرفوعٌ، وإنما يَذكرونه كتفسيرٍ مِن أنفُسِهم، مع أنَّ مِثلَه لا يُقالُ بالرأيِ، فيكونَ له حُكْمُ الرفْعِ.