الصفحة 68 من 89

فيما اخْتَلَفوا فيه مِن أمورِ دينِهم وأمورِ دُنياهم؛ هو مِن اللهِ تعالى، فَتَحَ اللهُ عليه وأَلْهَمَه وعَلَّمَه؛ فكان بذلك مُعَلِّمًا مما عَلَّمَه اللهُ: {بِمَا أَرَاكَ اللهُ} .

والآيةُ التي بعدَها في سورةِ النحلِ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، لا شَكَّ أنَّ هذا أيضًا تَكليفٌ له: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، فاللهُ تعالى أَمَرَه، ولا بُدَّ أنه امْتَثَلَ، ولا بُدَّ أنه عَمِلَ بهذه الآيةِ، بَيَّنَ للناسِ ما أَنْزَلَه اللهُ تعالى مِن الآياتِ، وما أَمَرَه به مِن الأحكامِ، وقد يقالُ: إنه أضافَ إليها بَيانًا مِن قِبَلِه، ولكنه مما فَهِمَه مِن القرآنِ، وقالَ تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، {لِتُبَيِّنَ لَهُمْ} دليلٌ على أنَّ اللهَ كَلَّفَه بأن يُبَيِّنَ لهم الذي اخْتَلَفوا فيه، يعني: كلَّ ما يَختلِفون فيه، ولهذا قالَ لهم: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ} ، فكانوا إذا اخْتَلَفوا في شيءٍ تَرَافَعُوا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فحَكَمَ بينَهم، وبَيَّنَ لهم الصوابَ الذي اخْتَلَفوا فيه، ووَصَفَ اللهُ تعالى الكتابَ بقولِه: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: أنه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ، ولكن لا يكونُ هُدًى ورحمةً إلا للمؤمنينَ.

ثم اسْتَدَلَّ أيضًا بما ثَبَتَ عنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنه قالَ: (( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) )، يعني: السنَّةَ، يعني: أنَّ اللهَ تعالى عَلَّمَه القرآنَ وعَلَّمَه السنَّةَ التي هي مِثلُ القرآنِ في الأحكامِ. في حديثٍ صحيحٍ أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قالَ: (( لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ أَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ كَمَا حَرَّمَهُ اللهُ ) )أو كما قالَ. وقد وَقَعَ في هذا كثيرٌ، وأَشْهَرُهم الخوارجُ؛ فإنهم اعتَمَدوا القرآنَ، وتَرَكُوا السنَّةَ ولم يَأْخُذُوا منها شيئًا، حتى الأحاديثَ المتواترةَ لم يَقْبَلُوا منها شيئًا، مثلَ أحاديثِ الشفاعةِ ونحوِها، فكانوا يَستَدِلُّونَ بالآياتِ القرآنيَّةِ وأَخَذُوها على ظاهرِها، حتى اسْتَبَاحُوا قَتْلَ بعضِ الصحابةِ كقَتْلِ عثمانَ, وأَخَذُوا ظاهِرَ قولِه تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} فقالوا: إنَّ هذا قد سَعَى في الأرضِ فَسادًا، أولئك الذين خَرَجُوا على عثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه.

فالحاصلُ أنَّ الواجبَ على المسلِمِ أن يَأخُذَ الأحاديثَ الثابتةَ الصحيحةَ، وأن يَتَقَبَّلَها ويَعْمَلَ بها ولا يَرُدَّ منها شيئًا، ويَعتقدَ أنها مِن اللهِ تعالى.

يقولُ: والسنَّةُ أيضًا تُنَزَّلُ عليه بالوحيِ كما يُنَزَّلُ القرآنُ. أَخَذَ ذلك بعضُهم مِن قولِ اللهِ تعالى في أَوَّلِ سورةِ النجْمِ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، فقالوا: كلُّ ما يَنْطِقُ به فإنه ليس عن هَواهُ، وإنما يَنْطِقُ بما أَوْحَى اللهُ تعالى إليه، فتكونُ السنَّةُ تُنَزَّلُ كما يُنَزَّلُ القرآنُ. قد أَخْبَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ عن نُزولِ الوحيِ عليه أنه أحيانًا يُلْقِي اللهُ تعالى في فَهْمِه وفي قَلْبِه ما يُلقيهِ وما يَقْذِفُه فيه مِن الفَهْمِ، فيكونُ ذلك مِن الوحيِ.

تَمَيَّزَت السنَّةُ عن القرآنِ بأنها لا تُتْلَى، أي: لا يُتَقَرَّبُ بتلاوتِها كما يُتَقَرَّبُ بتلاوةِ القرآنِ؛ فإنَّ تلاوةَ القرآنِ فيها أَجْرٌ وتُقرأُ في الصلاةِ، ويُشتَرَطُ في الصلاةِ قراءةُ الفاتحةِ، ويُسَنُّ قراءةُ غيرِها، فقراءةُ أحاديثَ مِن السنَّةِ لا تَكفِي ولو كانت مُتواترةً، لا يَكْفِي أنه يُؤْتَى بها بَدَلَ القرآنِ، فلا يُتَعَبَّدُ بتلاوةِ السنَّةِ كما يُتَعَبَّدُ بتلاوةِ القرآنِ، ولا يَحْصُلُ الإعجازُ بتلاوةِ السنَّةِ كما يَحْصُلُ الإعجازُ بتلاوةِ القرآنِ، الإعجازُ الذي قالَ اللهُ تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} خاصٌّ بالقرآنِ. والفرْقُ بينَ الأحاديثِ وبينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت