الصفحة 73 من 89

يقولُ: ولهذا كان غالِبُ ما يَرْوِيهِ إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ السُّدِّيُّ الكبيرُ في تفسيرِه عن هذينِ الرجلينِ: ابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ؛ وذلك لأنَّ السُّدِّيَّ له تفسيرٌ يَرويهِ ابنُ جَريرٍ ويُفَرِّقُه عندَ الآياتِ، ورواهُ عنه تلميذُه الذي يُسَمَّى أسباطَ، فعندَما يَرويهِ يَذْكُرُ أنه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعنِ ابنِ عباسٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، يَقتصِرُ على ذِكْرِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، ويُجْمِلُ الباقيَ، ويقولُ: وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، هكذا تَجدونَه في تفسيرِ ابنِ جَريرٍ، ففي أوَّلِ التفسيرِ يقولُ: عن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ وعن ابنِ عبَّاسٍ، وعن ناسٍ، ثم إنه لطُولِ وتَكَرُّرِ الإسنادِ صار يَقتصِرُ على السُّدِّيِّ، يقولُ: عن السُّدِّيِّ، ثم يَذكُرُ تفسيرَ الآيةِ حَسَبَ ما فَهِمَه. ولا شَكَّ أنه تفسيرٌ يَغْلِبُ عليه أنه يُوافِقُ الحقَّ، لكن يقولُ:"في بعضِ الأحيانِ يَنْقُلُ عنهم ما يَحكُونَهُ مِن أقاويلِ أهلِ الكتابِ"، يعني: مِن تفسيرٍ يَذكرونَه عن أهلِ الكتابِ, أهلُ الكتابِ يعني: اليهودَ في ذلك الزمانِ؛ وذلك لأنه أَبَاحَها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بقولِه: (( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ). رواه البخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ.

وتلك الحكاياتُ التي يَرويها السُّدِّيُّ يُمْكِنُ أنه رواها عن غيرِ ابنِ عبَّاسٍ، ابنُ عباسٍ الغالبُ أنه لا يَرْوِي عن الإسرائيليَّاتِ، وكذلك ابنُ مسعودٍ، ولكن يُمْكِنُ أنَّ هناك مشائخَ آخَرينَ يَرْوُونَ تلك القِصَصَ، فأَخَذَها السُّدِّيُّ وَسَرَدَها في هذا التفسيرِ، تفسيرُه موجودٌ في تفسيرِ ابنِ جريرٍ مُفَرَّقًا، ويقولُ المحقِّقُ لتفسيرِ ابنِ جريرٍ، الذي هو: أحمد شاكر، الذي حَقَّقَ إلى سورةِ الأنفالِ: إنَّ إسنادَه لا بأسَ به، إلا أنَّ هناك السُّدِّيَّ الصغيرَ: ضعيفٌ، والسُّدِّيُّ الكبيرُ: لا بأسَ به، يُقبَلُ تفسيرُه، يُوجَدُ في تفسيرِ السُّدِّيِّ أقوالٌ شاذَّةٌ، ويُوجَدُ فيه أيضًا حكاياتٌ كثيرةٌ عن بني إسرائيلَ، يعني: حكايةَ أقوالٍ مِن الإسرائيليَّاتِ التي لا يُوثَقُ بها، ولكنَّ بعضَ الصحابةِ وَثِقُوا بكعبِ الأحبارِ، كأنهم يقولون: ما جَرَّبْنَا عليه كَذِبًا، ولكنَّ الأغلبَ أنه يَأْخُذُ عن تلك الكتُبِ التي هي مِن بقايا الإسرائيليَّاتِ ويَثِقُ بها، ولا شَكَّ أنها قد دَخَلَها كثيرٌ مِن الكذِبِ ومِن الزيادةِ والنقْصِ، سيَّما في القِصَصِ الطويلةِ التي سَرَدَها ابنُ جريرٍ عفا اللهُ عنه، وابنُ كثيرٍ نَزَّهَ كتابَه عن أكثرِها.

ذَكَرَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه أصابَ يومَ اليرموكِ زاملتينِ، يعني: كِيسينِ فيهما كثيرٌ مِن كُتُبِ أهلِ الكتابِ، إما أنها مُتَرْجَمَةٌ باللغةِ العربيَّةِ أو أنه يَعْرِفُ ما فيها مِن اللغةِ مِن كُتُبِ أهلِ الكتابِ، فكان يُحَدِّثُ منها بما فَهِمَه مِن هذا الحديثِ، مِن الإذْنِ في ذلك. تَجِدُونَ كثيرًا مِن الأحاديثِ يَذْكُرُها ابنُ كثيرٍ في التفسيرِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وأنَّ بعضَ الرواةِ رَفَعَها فيقولُ: الصحيحُ أنه موقوفٌ، ولعلَّهُ مِن الزاملتينِ، دائمًا كلَّمَا ذَكَرَ حَديثًا، أو غالبًا يقولُ: لعله مِن الزاملتينِ, يعني: مِن الكيسينِ اللذينِ فيهما كُتُبٌ أصابَها، فكان يُحَدِّثُ منهما، حيث فَهِمَ مِن قولِه: (( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ) )، وفي روايةٍ: (( فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبُ ) )، فيَثِقُ بما فيهما ويُحَدِّثُ.

ولكن معلومٌ أيضًا أنَّ الذي فيهما ليس كلُّه صحيحًا، وأنَّ كلَّ ما يَنقُلُه كعبُ الأحبارِ ووهبُ بنُ المنبِّهِ ونوحٌ البكاليُّ ونحوُهم مِن الذينَ أَسْلَموا مِن اليهودِ، وكان عندَهم عِلْمٌ مِن كُتُبِ بني إسرائيلَ، مِن كُتُبِ أهلِ الكتابِ؛ أنها غيرُ صحيحةٍ؛ وذلك لأن كُتُبَهم استُحْفِظوا عليها فلم يَحفظوها، بخِلافِ كتابِ اللهِ تعالى، فقد تَوَلَّى اللهُ تعالى حِفْظَه، قالَ تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وأما الأممُ الأخرى فإنَّ اللهَ قالَ عنهم: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ} ، {اسْتُحْفِظُوا} يعني: قيلَ لهم: احْفَظُوه، ما تَوَلَّى اللهُ تعالى حِفْظَه ولكن وَكَّلَ حِفْظَه إليهم، فكان فيهم مَن غَيَّرَ وزادَ ونَقَصَ، وابْتَكَرَ قِصَصًا وكَتَبَها، وأضافَ إليها كُتُبًا، وأضافَ إليها قِصَصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت