الصفحة 62 من 89

يقولُ:"وكذلك وَقَعَ مِن الذين صَنَّفُوا في شرْحِ الحديثِ"، يعني: أنَّ هناك مَن غَلِطُوا أيضًا في تفسيرِ الأحاديثِ النبويَّةِ؛ كما غَلِطُوا في تفاسيرِ الآياتِ القرآنيَّةِ، فحَمَلُوا الأحاديثَ على ما يَهْوَوْنَهُ, إذا جاءَتْهم الأحاديثُ التي تَتَعَلَّقُ بالصفاتِ؛ فإما أن يَرُدُّوهَا ويقولوا: إنها آحادٌ، وإما أن يُحَرِّفُوهَا عما تَتَضَمَّنُه، كتحريفِهم لأحاديثِ الشفاعةِ، ولأحاديثِ الرؤيةِ. لمَّا كانوا يُنْكِرُونَ رؤيةَ اللهِ في الآخرةِ وفي الجنةِ، أَخَذُوا يُأَوِّلُونَ الآياتِ، وكذلك يُأَوِّلُونَ الأحاديثَ التي في إثباتِ الصفاتِ؛ في إثباتِ الرؤيةِ، وفي إثباتِ صفةِ الوجهِ، وما أَشْبَهَ ذلك، فيُنكرونَ ذلك. سَمِعَ بعضُهم رَجُلًا يَدْعُو بالدعاءِ المشهورِ الذي فيه: وأَسألُكَ لَذَّةَ النظَرِ إلى وَجْهِك الكريمِ، والشوقَ إلى لقائِك، في غيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضِلَّةٍ. فقالَ له مُنْكِرًا: هَبْ أنَّ له وجهًا؛ فكيف يُمْكِنُك أن تَنظرَ إليه، وأن تَتَلَذَّذَ بالنظَرِ إليه؟! فقالَ ذلك الداعي: أنا مُتَّبِعٌ ولستُ بِمُبْتَدِعٍ، لا تَرُدَّ عليَّ، رُدَّ على الذين رَوَوْا هذا الحديثَ وهذا الدعاءَ؛ فإنه دعاءٌ ثابتٌ لا شَكَّ في ثُبوتِه. فيَحْمِلُونَ ـ مَثَلًا ـ الوجهَ على الذاتِ؛ لأنهم يُنْكِرُونَ صفةَ الوجهِ للهِ تعالى.

والحاصلُ: أنَّ هناكَ قومًا صَنَّفُوا في شَرْحِ الأحاديثِ، فإذا جاءَتْهُم الأحاديثُ التي تُخالِفُ مُعتقدَهم في الأسماءِ والصفاتِ؛ سَلَكُوا مَسلكَ تأويلِهم للآياتِ، فيُفَسِّرُونَها مِن جِنْسِ ما وَقَعُوا فيه مِن تأويلِ الآياتِ، مِن جِنْسِ ما وَقعوا فيما صَنَّفُوهُ مِن شَرْحِ القرآنِ وتفسيرِه، وهؤلاءِ ليسوا جَهَلَةً؛ وإنما حَمَلَهم على ذلك ما يَعتقدونَه، فأَصَرُّوا على هذا المعتقَدِ، وتَتابَعوا عليه؛ مُتأَخِّرُهم يُقَلِّدُ مُتَقَدِّمَهُمْ.

ذَكَرَ بعدَ ذلك الذين يُخْطِئُونَ في الدليلِ؛ لا في المدلولِ، يُخطئونَ في الدليلِ؛ لا في المستدَلِّ عليه. كثيرٌ مِن الصوفيَّةِ والوُعَّاظِ والفقهاءِ وغيرِهم؛ يُفَسِّرُونَ القرآنَ بمعانٍ صحيحةٍ؛ لكنَّ القرآنَ لا يَدُلُّ عليها"يُفَسِّرُونَ القرآنَ بمعانٍ صحيحةٍ، ولكن ليس سياقُ الآياتِ فيها، وإنما الآياتُ سِيقَتْ في المعاني التي فَهِمَها السلَفُ رَحِمَهم اللهُ، وإن كانت تلك المعاني ثابتةً بأدلَّةٍ أُخْرَى. مثلَ كثيرٍ مما يَذْكُرُه أبو عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيُّ في (حقائقِ التفسيرِ) ، وإن كان فيما ذكرَه ما هو معانٍ باطلةٌ؛ فإنَّ ذلك يَدخلُ في القِسمِ الأوَّلِ، وهو الخطأُ في الدليلِ والمدلولِ جميعًا، حيث يكونُ المعنى الذي قَصَدُوهُ فاسدًا، ويَدخلُ في ذلك أيضًا كثيرٌ مِن المتأخِّرينَ الذين يُفَسِّرونَ الآياتِ ويُطبِّقُونَها على معانٍ صحيحةٍ، ولكن لم تكنْ مَذكورةً في تفاسيرِ السلَفِ."

ونحن نقولُ: إنَّ القرآنَ له معانٍ كثيرةٌ، ويُمْكِنُ أنَّ المتأخِّرَ يَسْتَنْبِطُ منه أُمورًا لم يأتِ بها المتقدِّمُ، فكم تَرَكَ أولٌ لآخِرٍ, ولأجْلِ ذلك نُقِرُّ تفاسيرَ المتأخِّرينَ، ونقولُ: إنَّ فيها كثيرًا مِن الصوابِ، فعِنْدَنا مَثلًا تفسيرُ (المنارِ) الذي هو لمحمد رشيد رضا تفسيرٌ بالرأيِ، يَتَوَسَّعُ في كثيرٍ مِن الآياتِ، والمعاني التي يَتطرَّقُ إليها معانٍ صحيحةٌ، والاستنباطاتُ أيضًا صحيحةٌ؛ ولكن لم تكنْ مذكورةً في كُتُبِ المتقدِّمينَ، ولعلها مما فَتَحَ اللهُ تعالى على المتأخِّرينَ، وكذلك تفسيرُ سيد قطب يأتي فيه أيضًا باستنباطاتٍ، استنباطاتٍ واستدلالاتٍ غريبةٍ عجيبةٍ، وتكونُ مما فَتَحَ اللهُ تعالى على يديه، على قلبِه، لا شكَّ أيضًا أنها معانٍ ظاهرةٌ، يعني: يمكن أَخْذُها مِن القرآنِ؛ وإن لم توجَدْ في كلامِ المتقدِّمينَ، وفيه أخطاءٌ كما ذَكَرْنا، كذلك أيضًا شيخُنا الشيخُ عبدُ الرحمنِ الدوسريُّ رَحِمَه اللهُ، فَسَّرَ كثيرًا مِن القرآنِ، يعني: وَصَلَ إلى نحوِ سورةِ الأنفالِ أو التوبةِ، وتفسيرُه أيضًا فيه عجائبُ، يَأخُذُ كثيرًا مِن تفسيرِ المنارِ، ويَرجِعُ إلى كثيرٍ مِن التفاسيرِ, ثم يأتي بأساليبَ عجيبةٍ، حتى أنه طُبِعَ تفسيرُ الفاتحةِ في مجلَّدٍ كما هو مُشاهَدٌ، مما يَدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ عليه، وأنه يأتي الآخِرُ بفوائدَ زيادةً على ما جاءَ به المتقدِّمونَ، وكلامُ اللهِ تعالى واسعُ المعاني، ولكن الذين يَحْمِلُونَ الآياتِ على مَحاملَ لا يَحْتَمِلُها اللفظُ؛ لا يَنبغِي الإصغاءُ إلى أقوالِهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت