الصفحة 61 من 89

كان ذلك المخالِفُ مُخْطِئًا، فمَن خالَفَ قولَهم، وفَسَّرَ القرآنَ بخِلافِ تفسيرِهم؛ أَخْطَأَ في الدليلِ والمدلولِ، أخطأَ حيث أتى بأقوالٍ مُبتدَعَةٍ، وحيث اسْتَدَلَّ بأدلَّةٍ لا دَلالةَ فيها، وحيث حَرَّفَ المدلولَ عمَّا هو عليه.

معلومٌ أنَّ كلَّ مَن خالَفَ قولَهم له شُبهةٌ يَذْكُرُها؛ إما عقليَّةٌ وإما سمعيَّةٌ، كما هو مبسوطٌ في مَوْضِعِه، فشُبُهاتُ المعتزِلةِ وعقائدُهم، وشبهاتُ الخوارجِ، وشبهاتُ الْمُرْجَئِةِ، وشُبهاتُ الروافضِ، وشُبهاتُ الجهميَّةِ، ونحوِهم؛ عَقليَّةٌ أو نقليَّةٌ، فيَحملونَ الآياتِ والأحاديثَ على ما يَعتقدونَه، ويُسَمُّونَ تحريفَهم هذا تأويلًا، ويقولونَ: إنَّ الحاملَ عليه أننا نُريدَ الجمْعَ بينَ الأدلَّةِ السمعيَّةِ والعقليَّةِ؛ حتى لا تَتعارَضَ، وحتى لا تُعَارِضَنَا هذه الأدلَّةُ التي هي واضحةُ الدلالةِ، مقطوعٌ بصحَّتِهَا، يقولونَ في تعريفِ التأويلِ: إنه صَرْفُ اللفظِ عن الاحتمالِ الراجحِ إلى الاحتمالِ المرجوحِ لدليلٍ يَقترنُ به، فيقولونَ مثلًا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} : إنَّ الاستواءَ له تفسيرٌ راجحٌ وتفسيرٌ مرجوحٌ، فالتفسيرُ الراجحُ هو: العُلُوُّ، استوى: يعني: عَلاَ وارْتَفَعَ، والتفسيرُ المرجوحُ هو: الاستيلاءُ، فنختارُ المرجوحَ؛ لدليلٍ يَقترنُ به، وهو أن يَتَّفِقَ مع الدليلِ العقليِّ؛ فإنَّ الدليلَ العقليَّ عندَهم يَنْفِي صفةَ العُلُوِّ، فهذا هو تأويلُهم.

يقولُ:"والمقصودُ هنا: التنبيهُ على مَثارِ الاختلافِ في التفسيرِ"، يعني: على أسبابِه، وأنَّ مِن أعظَمِ أسبابِه: البِدَعَ الباطلةَ، التي دَعَتْ أهلَها إلى أن حَرَّفُوا الكلِمَ عن مَواضعِه، بِدَعُ هؤلاءِ المبتدِعَةِ؛ رافضةً أو معتزِلَةً أو نحوَها، دَعَتْ أهلَها وحَمَلَتْهُم إلى أن حَرَّفُوا الكلِمَ عن مَواضعِه، فَسَّرُوا الكلامَ بتفاسيرَ بعيدةٍ، وفَسَّرُوا الإرادةَ، وفَسَّرُوا السمْعَ والبصَرَ بتفاسيرَ بعيدةٍ؛ لتُوافِقَ معتقَدَهم، وفَسَّرُوا كلامَ اللهِ، وكلامَ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بغيرِ ما أُريدَ به، أي: بتفاسيرَ بعيدةٍ عما أرادَ اللهُ تعالى بكلامِه، وتَأَوَّلُوهُ على غيرِ تأويلِه، وحَمَّلُوهُ مَحاملَ بعيدةً عن أن تكونَ مُرادةً للهِ تعالى.

فمِن أصولِ العلْمِ بذلك: أن يَعلمَ الإنسانُ القولَ الذي خالَفُوه، وأنه الحقُّ. إذا أَردتَ أن تَعرفَ الحقَّ فانْظُرْ إلى أقوالِ السلَفِ وإلى تفاسيرِهم، تَعلَمْ أنها هي الصوابُ، ثم بعدَ ذلك تَطَّلِعُ على أقوالِهم وتَعْرِفُ كيفَ أَخْطَأُوا فيها، وتَعرفُ كيف تَحَامَلوا على تأويلِ هذه الآياتِ وتحريفِها وتفسيرِها بتفاسيرَ؛ لتوافِقَ معتقداتِهم؟ وأن يَعرفَ أنَّ تفسيرَ السلَفِ يُخالِفُ تفاسيرَهم، وأن يَعرفَ أنَّ تفاسيرَهم مُحْدَثَةٌ مُبتدَعَةٌ، حَمَلَتْهم عليها عقيدتُهم الباطلةُ الزائغةُ.

وقد ذَكَرْنا أيضًا: أنَّ بعضَ المتأخِّرينَ حَمَلُوا الآياتِ على ما يُشاهدونَهُ، وفَسَّرُوها بتفاسيرَ تُناسِبُ زمانَهم، ففَسَّرَ بعضُهم قولَه تعالى: {وَآيَةً لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} وقالوا: الفلْكُ المشحونُ هو السياراتُ والطائراتُ، ونحن نُنْكِرُ ذلك، ونقولُ: إنَّ الفُلْكَ هو: السفُنُ؛ وذلك لأن اللهَ قالَ: {وَآيَةً لَهُمْ} ، يعني: آيةً لأولئكَ الذين سَمِعُوا القرآنَ ونَزَلَ عليهم، وهذه الصناعاتُ الجديدةُ ليستْ آيةً لهم، ولا شاهَدُوها، ولا حَدَثَتْ إلا في هذه الأزمنةِ، فكيف تكونُ آيةً لهم؟! فحَمْلُها على السفُنِ القديمةِ التي أَخْبَرَ اللهُ تعالى بقولِه: {وَالْفُلْكَ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} هو الأصْلُ.

يقولُ:"ثم يُعْرَفُ بالطرُقِ المفصَّلَةِ فَسادُ تفاسيرِهم؛ بما نَصَبَه اللهُ مِن الأدِلَّةِ على بيانِ الحقِّ"فإنَّ الحقَّ قديمٌ، والحقَّ عليه أَدِلَّةٌ واضحةٌ؛ إما مِن سياقِ الآياتِ، وإما مِن الآياتِ الأخرى، وإما مِن تفاسيرِ السلَفِ رَحِمَهم اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت