ثم ذَكَرَ تفسيرَ ابنِ عَطِيَّةَ، وهو مطبوعٌ في عِدَّةِ مُجَلَّدَاتٍ، يقولُ:"إنه أَتْبَعُ للسنَّةِ والجماعةِ، وأَسْلَمُ مِن البِدَعِ مِن تفسيرِ الزمخشريِّ"لكنه عفا اللهُ عنه سَلَكَ مَسْلَكَ الأشاعرةِ في تأويلِ آياتِ الصفاتِ، كآياتِ المحبَّةِ، وآياتِ العَجَبِ، وآياتِ الرحمةِ، وآياتِ المجيءِ، وآياتِ الوجهِ واليدِ، وما أَشْبَهَها؛ لأنَّ هذا مُعتقدُ الأشاعرةِ، ولو ذَكَرَ كلامَ السلفِ الموجودَ في التفاسيرِ المأثورةِ عنهم على وَجْهِه لكان أحسنَ وأَجْمَلَ، لَيْتَهُ نَقَلَ عن السلَفِ واعتمَدَ أقوالَهم، لكنه، ولو كان أقربَ للسنَّةِ اعتَمَدَ على تفسيرٍ ابتدأَهُ، أو نَقَلَ مِن كتبِ الأشاعرةِ كثيرًا ما يَنقُلُ مِن تفسيرِ ابنِ جريرٍ: محمدِ بنِ جريرٍ الطبريِّ؛ تفسيرُه من أَجَلِّ التفاسيرِ وأعظمِها قَدْرًا، ومع ذلك يَدَعُ ما نَقَلَه ابنُ جريرٍ عن السلَفِ؛ الذي يَذكرُه بأسانيدِه ولا يَحكيهِ بحالٍ، ويَذكرُ ما يَزعمُ أنه قولُ المحقِّقينَ, يَذكرُ أقوالًا يَدَّعِي أنها أقوالُ المحقِّقينَ، وليس كذلك؛ وإنما يعني: طائفةً مِن أهلِ الكلامِ، يعني: الأشاعرةَ الذين قَرَّرُوا أصولَهم بطُرُقٍ مِن جنْسِ ما قَرَّرَتْ به المعتزِلةُ أصولَهم، أهلُ الكلامِ هم الأشاعرةُ، غالبًا يُطْلَقُ أهلُ الكلامِ عليهم، وقد يُطلَقُ أيضًا على المعتزِلةِ؛ لأنهم الذين تَوَغَّلُوا في عِلْمِ الكلامِ، الذي نَهَى عنه السلَفُ رَحِمَهم اللهُ.
يقولُ:"وإن كانت أقوالُهم أقرَبَ إلى السنَّةِ مِن المعتزِلَةِ"، يعني: أقوالَ الأشاعرةِ، لكن يَنبغِي أنْ يُعْطَى كلُّ ذي حَقٍّ حَقَّه، ويُعرَفَ أنَّ هذا مِن جملةِ التفسيرِ على المذهَبِ، يعني: أنه تفسيرٌ على مَذهبِ الأشاعرةِ؛ فإنَّ الصحابةَ والتابعينَ والأئمَّةَ إذا كان لهم في تفسيرِ الآيةِ قولٌ؛ وجاءَ قومٌ فَسَّرُوا الآيةَ بقولٍ آخَرَ؛ لأَجْلِ مَذهَبٍ اعتقَدُوه، وذلك المذهَبُ ليس مِن مَذاهبِ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ؛ صاروا مُشاركينَ للمعتزِلةِ وغيرِهم مِن أهلِ البِدَعِ في مِثْلِ هذا.
وهذا يَنطبقُ على هؤلاءِ الأشاعرةِ، فيَنطبقُ على تفسيرِ ابنِ عَطِيَّةَ، كما يَنطبقُ على التفسيرِ الكبيرِ للرازيِّ، وعلى تفاسيرِ الأشاعرةِ؛ مع كَثْرَتِها، كلُّهم مشاركونَ للمعتزِلةِ وغيرِهم مِن أهلِ البِدَعِ؛ في أنهم أَضَافُوا مُعتقدَهم إلى أقوالِ السلَفِ، لَيْتَهم اقْتَصَروا على تفاسيرِ السلَفِ؛ ففيها الكفايةُ، التفاسيرُ المنقولةُ بالأسانيدِ؛ موجودةٌ في تفسيرِ عبدِ الرزاقِ، وموجودةٌ في التفاسيرِ التي ذَكَرَها سابقًا، وفي تفسيرِ ابنِ جريرٍ الذي هو مِن أَوْسَعِها، وفي تفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ.
يقولُ: وبالجملةِ: مَن عَدَلَ عن مَذاهبِ الصحابةِ والتابعينَ وتفسيرِهم إلى ما يُخالِفُ ذلك كان مُخْطِئًا في ذلك، بل مُبْتَدِعًا، يعني: يَصيرُ مُبتدعًا؛ لأنه أضافَ إلى أقوالِ الصحابةِ والتابعينَ أقوالًا لا دليلَ عليها، حَمَلَه عليها ما اعتقَدَه مِن المعتقداتِ الباطلةِ، وإن كان مُجْتَهِدًا مغفورًا له خَطَؤُه، وليس كلُّ مُجْتَهِدٍ بِمُصيبٍ.
"فإنَّ المقصودَ بيانُ طُرُقِ العلْمِ وأدلَّتِه وطُرُقِ الصوابِ"، المقصودُ مِن التفاسيرِ: أنَّ المفسِّرَ يُبَيِّنُ معنى الآيةِ؛ لا أنه يَحْمِلُها على معتقدِه، فإذا كان أشعريًّا، وتحامَلَ في الآياتِ، وحَمَلَها على ما يَعتقدُه، ولم يُبَيِّنْ أقوالَ السلَفِ رَحِمَهم اللهُ؛ كان بذلك مخطئًا؛ لأن تفسيرَ السلَفِ والصحابةِ والتابعينَ أقرَبُ؛ وذلك لأنهم شاهَدُوا التنزيلَ، ولأنهم تَلَقَّوْا معناها وتفسيرَها عن نبيِّهم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ولأنهم أعلَمُ باللغةِ ممن جاءَ بعدَهم.
يقولُ:"ونحنُ نَعلَمُ أنَّ القرآنَ قَرأهُ الصحابةُ والتابعونَ وتابعوهم"قَرأوه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وتقدَّمَ أنهم إذا كانوا قَرَأوا عشْرَ آياتٍ؛ لم يَتجاوَزُها حتى يَتَعَلَّمُوا ما فيها، قالوا: فتَعلَّمْنَا القرآنَ والعلْمَ والعملَ جميعًا. ونَعْلَمُ أيضًا أنهم أَعْلَمُ بتفسيرِه ومعانيهِ، كما أنهم أعلَمُ بالحقِّ الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ؛ وذلك لأنهم أَخَذُوا الحقَّ عنه شِفاهًا، تَلَقَّوُا الرسالةَ عنه، تَلَقَّوْا رسالتَه التي أُرْسِلَ بها، وهم أَعلَمُ بالقرآنِ، وهم أَعلمُ بالسُّنَّةِ، وهم أعلَمُ بالأحكامِ، فإذا خالَفَ تفسيرَهُم أَحَدٌ؛