الصفحة 59 من 89

وكلُّ هذه أقوالٌ بعيدةٌ عن الصوابِ، لا يَقْضِي منها العالِمُ عَجَبًا، وكذلك قولُه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ، يقولُ ابنُ المطَهَّرِ: أَجْمَعوا على أنها نَزلتْ في عليٍّ لَمَّا تَصدَّقَ بخاتَمِهِ وهو راكعٌ، وناقشَهُ شيخُ الإسلامِ في الْمِنهاجِ: (مِنهاجِ السُّنَّةِ) وبَيَّنَ أنها بعيدةٌ أن تَنْزِلَ في عليٍّ، وأنَّ التصَدُّقَ في الركوعِ غيرُ مشروعٍ؛ وذلك لأن الراكعَ في عِبادةٍ، والحركةُ قد تُقَلِّلُ أَثَرَ العبادةِ. يَذكرونَ حديثًا موضوعًا بإجماعِ أهلِ العلْمِ، في تَصَدُّقِهِ بخاتَمِهِ في الصلاةِ.

كذلك قولُه: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أنها نَزلتْ في عليٍّ لَمَّا أُصيبَ بحمزةَ، مصابُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بحمزةَ أَعظمُ مِن غيرِه؛ لأنه مِن أوَّلِ مَن أَسْلَمَ مِن أقارِبِه، فكيف يقولونَ: إنها نَزلتْ في عليٍّ خاصَّةً؟!

ثم ذَكَرَ أيضًا أنَّ هناكَ مَن قاربَهم في مثلِ هذه الحكاياتِ، يعني: مَن حَمَّلَ الآياتِ ما لا تَحتمِلُ، ومما يُقارِبُ هذا مِن بعضِ الوجوهِ ما يَذْكُرُه كثيرٌ مِن المفَسِّرينَ، مع أنهم مِن أهلِ السنَّةِ أو نحوِهم، فيُفَسِّرونَ قولَه تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} في سورةِ آلِ عِمرانَ: أنَّ الصابرينَ: رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، والصادقينَ: أبو بكرٍ، والقانتينَ: عمرُ، والمنفقينَ: عثمانُ، والمستغفرينَ: عليٌّ، وهذا خطأٌ, الآيةُ عامَّةٌ لكلِّ مَن كان مُتَّصِفًا بهذه الصفاتِ، سواءٌ مِن الصحابةِ أو مَن بعدَهم، وكذلك يُفَسِّرونَ قولَه في سورةِ الفتْحِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} : أبو بكرٍ، {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} : عمرُ، {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} : عثمانُ، {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} : عليٌّ، وهذا أيضًا خطأٌ؛ الآية عامَّةٌ في الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، ليس في الخلفاءِ هؤلاءِ خاصَّةً.

وأعجَبُ مِن ذلك قولُ بعضِهم: {وَالتِّينِ} : أبو بكرٍ، {وَالزَّيْتُونِ} : عمرُ، {وَطُورِ سِنِينَ} : عثمانُ، {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} : عليٌّ، الآيةُ مكِّيَّةٌ، وليس فيها تَطَرُّقٌ لهؤلاءِ، وإنما أَقْسَمَ اللهُ تعالى بهذا، أَقْسَمَ بهذا النباتِ: {التِّينِ وَالزَّيْتُونِ} الذي هو المعروفُ، التينُ: نباتٌ معروفٌ له ثَمَرٌ معروفٌ، {وَالزَّيْتُونِ} كذلك أيضًا معروفٌ، {وَطُورِ سِنِينَ} : الجبَلُ المعروفُ، الذي هو طُورُ سَيناءَ، {وَهَذَا الْبَلَدِ} : مكَّةُ.

يقولُ:"وأمثالُ هذه الخرافاتِ التي تَتضمَّنُ تارةً تفسيرَ اللفظِ بما لا يَدُلُّ عليه بِحَالٍ"بمعنًى بعيدٍ؛ فإنَّ هذه الألفاظَ لا تَدُلُّ على هؤلاءِ الأشخاصِ، بل عامَّةٌ للمؤمنينَ، قولُه: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} نَعْتٌ للذينَ معه، {الَّذِينَ مَعَهُ} يعني: مع محمدٍ كلُّهم، {أَشِدَّاءُ} لم يَقُلْ شديدًا، {رُحَمَاءُ} لم يَقُلْ رحيمًا، {تَرَاهُمْ} لم يقلْ تَراهُ.

يقولُ:"وهي التي يُسَمِّيهَا النحاةُ: خَبَرًا بعدَ خبرٍ"والمقصودُ هنا أنها كلَّها صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ، وهم الذين مع محمدٍ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِين مَعَهُ} ، لا يَجوزُ أن يكونَ كلٌّ منها مرادًا به شخصٌ واحدٌ، وتَتضمَّنُ تارةً جَعْلَ اللفظِ المطلَقِ العامِّ مُنحصرًا في شخْصٍ واحدٍ، اللفظُ العامُّ لا يُمْكِنُ أن يُخَصَّ به شخصٌ واحدٌ، قولُه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} ، لم يَقُلْ: والذي آمَنَ، لو كان عَلِيًّا وحدَه لقالَ: والذي آمَنَ، وقالَ: الذي يَتصدَّقُ وهو راكعٌ، لو أُريدَ بها عليٌّ وحدَه، وقولُ بعضِهم: إن قولَه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} أُريدَ بها أبو بكرٍ وَحْدَه، هذا قد يكونُ قريبًا؛ أنها نَزلتْ في أبي بكرٍ؛ لأنه قالَ: {وَصَدَّقَ بِهِ} ، ولم يقلْ وصَدَّقُوا به، ولكن مع ذلك هي عامَّةٌ، وكذلك قولُه: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أُريدَ بها أبو بكرٍ، والصوابُ أنها عامَّةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت