يقولُ:"ثم إنه لسببِ تَطَرُّفِ هؤلاءِ وضلالِهم"، تَطَرُّفُهم: يعني: كونَهم على طَرَفٍ، وكونَهم ضُلاَّلًا.
الرافضةُ؛ ويُسَمُّونَ أنفسَهم الإماميَّةَ؛ لأنهم يقولونَ بإمامةِ الأئمَّةِ الاثنَيْ عَشَرَ، الذين أوَّلُهم عليٌّ وآخرُهم المنتظَرُ في زَعْمِهم، الذي يقولونَ: إنه محمَّدُ بنُ الحسنِ العسكريُّ، الذي دخَلَ سِردابَ سامِرَّاءَ، ولا يَزالونَ يَنتظرونه مِن أكثرَ مِن أَلْفٍ ومائتيْ سَنَةٍ, فأئمَّتُهم اثنا عَشَرَ، ولا يَزالونَ على هذا المعتقَدِ.
وكذلك الفلاسفةُ، الفلاسفةُ هنا: الفلاسفةُ الإلهيُّونَ، الذين يَعتقدون معتقَدَ الفلاسفةِ المتقدِّمينَ، مِن أمثالِ ابنِ سينا والفارابيِّ ونحوِهم، يقولُ حافظ حكمي رَحِمَه اللهُ:
ولا ابنُ سينَا وفارابيهِ قُدْوَتُنا ولا الذين لربِّ الخلْقِ قد جَحَدُوا
ثم القرامطةُ، وهم باطنيَّةٌ، أتباعُ حَمدانَ قُرمط، وكانوا مِن الذين استَقَرُّوا في القطيفِ، ونُشِرَ مَذهبُهم في آخِرِ القرْنِ الثالثِ وأوَّلِ القرنِ الرابعِ، ولهم تواريخُ بشعةٌ، وفيهم كُتُبٌ مُؤَلَّفَةٌ، وغيرُهم فيما هو أَبلغُ مِن ذلك، يعني: دَخَلُوا مِن هذا البابِ في تأويلِ الآياتِ وحَمَّلوها ما لا تَحتملُ، وتفاقَمَ الأمرُ في الفلاسفةِ والقرامطةِ والرافضةِ، يعني: صَعُبَ تأويلُهم وتحريفُهم للآياتِ تحريفًا بَليغًا.
يقولُ:"فَسَّرُوا القرآنَ بأنواعٍ لا يَقْضِي العالِمُ منها عَجَبًا"، يعني: تفاسيرَهم التي فَسَّرُوا بها القرآنَ يَتعجَّبُ منها مُجَرَّدُ الفاهمِ الذي معه فَهْمٌ لِحَمْلِهم تلك الآياتِ، ذَكرَ هذه الأمثلةَ: تفسيرَ الرافضةِ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} يقولون: يدا أبي لَهَبٍ: هما أبو بكرٍ وعمرُ، هكذا قالوا لعَنَهم اللهُ، بمعنى أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ هما اللذانِ يَصْلَيَانِ نارًا ذاتَ لهَبٍ، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} أي: أَشركتَ بينَ أبي بكرٍ وعليٍّ في الخلافةِ، فالخِطابُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ أي: لا تَجعلْ أبا بكرٍ شَريكًا لعليٍّ في الخلافةِ، فإذا أَشركتَهم حَبِطَ عملُك، تعالى اللهُ عن قولِهم، مع أنَّ الشرْكَ ظاهرٌ في شِرْكِ التنديدِ، {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} قالوا: هي عائشةُ، هكذا قالوا لعَنَهم اللهُ، وكذلك {قَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} أي: طلحةَ والزبيرَ؛ لأنهم الذين قاتَلُوا في الْجَمَلِ، {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} فَسَّرُوا البحرينِ بعليٍّ وفاطمةَ، {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} : الحسَنُ والحسينُ. هذه عجائبُ، يعني: كيف ذَهَبُوا إلى هذه التفاسيرِ؟!
وهذه التفاسيرُ مَوجودةٌ؛ ذَكَرَ بعضُ الزملاءِ أنه اطَّلَعَ على كتابٍ مِن كُتُبِهم في إيرانَ، وفيه هذه العجائبُ التي لا يَقْضِي منها العالِمُ عَجَبًا، مطبوعٌ ومُشْتَهِرٌ بينَهم، معترِفونَ به ويَعتنونَ به، ويُكْثِرونَ قِراءتَه ويُقِرُّونَه، ومع ذلك يقالُ: أين العقولُ؟ هل عندَما نَزلتْ هذه الآياتُ هل كانت هذه الأمورُ موجودةً، لَمَّا نَزَلَ: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} القصةُ في قصةِ موسى، فكيف يَحْمِلُونَها على عائشةَ؟! قاتَلَهم اللهُ، كذلك: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} معلومٌ أنَّ السورةَ نَزلتْ في أبي لَهَبٍ الذي ذَكَرَه اللهُ، وقالَ: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ، فكيف يَجعلونَ يديهِ: أبا بكرٍ وعمرَ؟! كذلك قولُهم: {وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} ، قالوا: الإمامُ هنا: عليٌّ، الآيةُ نَزلتْ في مكةَ في سورةِ يس، مكيةٌ، وعليٌّ في ذلك الوقتِ كان صغيرًا، فكيف يقولونَ: إنه هو إمامٌ مبينٌ، {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} قالوا: النَّبَأُ الْعَظِيمُ هو عليٌّ.