ومَن قَرأَ كتابَ (الكشافِ) فعليه أن يَقرأَ معه (الانتصافَ) ، لكنْ ذَكرنا أنَّ صاحبَ (الانتصافِ) أَشْعَرِيٌّ، أَقَرَّ (الكشافَ) على تأويلِ آياتِ الصفاتِ، كتأويلِ آياتِ الاستواءِ، وآياتِ العُلُوِّ، وآياتِ الرفْعِ، وآياتِ صفةِ الوجهِ، وصفةِ اليدِ، وصفةِ العينِ، وما أَشْبَهَها، وكذلك على تأويلِ آياتِ المحبَّةِ والرضا، وآياتِ العَجَبِ، والكراهيةِ والبغْضِ ونحوِها، فإذا كان الإنسانُ عالِمًا بهذه العقيدةِ، عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ، في هذه الصفاتِ، وقَرَأَ وهو مُتَفَطِّنٌ لِمَا عَلَّقَ عليه العلماءُ فإنه يَستفيدُ منه فوائدَ بلاغيَّةً.
فيه بلاغةٌ وفيه قوةُ أسلوبٍ، لكن كما ذَكَرُوا: أنه يُدخِلُ السمَّ في الدَّسَمِ، وأنه يأتي بعباراتٍ مُوهِمَةٍ، وفيها ما يُؤَيِّدُ بِدعتَه، وفي غيرِه مِن التفاسيرِ كفايةٌ عنه، واللهُ أَعلَمُ.
الْمَتْنُ: (فصلٌ
فإن قالَ قائلٌ: فما أَحْسَنُ طرُقِ التفسيرِ؟
فالجوابُ: أنَّ أصَحَّ الطرُقِ في ذلك: أن يُفَسَّرَ القرآنُ بالقرآنِ؛ فما أُجْمِلَ في مكانٍ فإنه قد فُسِّرَ في مَوضعٍ آخَرَ، وما اخْتُصِرَ مِن مكانٍ فقد بُسِطَ في مَوضِعٍ آخَرَ، فإن أَعياكَ ذلك فعليكَ بالسُّنَّةِ؛ فإنها شارحةٌ للقرآنِ ومُوَضِّحَةٌ له، بل قد قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ: كلُّ ما حَكَمَ به رسولُ الله صَلَّى اللهُِ عليه وسلَّمَ فهو مما فَهِمَه مِن القرآنِ. قالَ اللهُ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} ، وقالَ تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} , وقالَ تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، ولهذا قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) )يعني: السُّنَّةَ.
والسُّنَّةُ أيضًا تَنْزِلُ عليه بالوحيِ كما يَنزلُ القرآنُ، لا أنها تُتْلَى كما يُتْلَى. وقد استَدَلَّ الإمامُ الشافعيُّ وغيرُه مِن الأئمَّةِ على ذلك بأدلَّةٍ كثيرةٍ، ليس هذا مَوْضِعَ ذلك. والغرَضُ أنك تَطْلُبُ تفسيرَ القرآنِ منه، فإن لم تَجِدْهُ فمِن السُّنَّةِ، كما قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لمعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليمنِ: (( بِمَ تَحْكُمُ؟ ) )قالَ: بكتابِ اللهِ. قالَ: (( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ) )قالَ: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ. قالَ: (( فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ ) )قالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. قالَ: فَضَرَبَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في صدْرِه وقالَ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ ) ). وهذا الحديثُ في المسانِيدِ والسنَنِ بإسنادٍ جَيِّدٍ.
وحينئذٍ إذا لم نَجِدِ التفسيرَ في القرآنِ ولا في السنَّةِ رَجَعْنَا في ذلك إلى أقوالِ الصحابةِ؛ فإنهم أَدْرَى بذلك؛ لِمَا شَاهَدُوهُ مِن القرآنِ والأحوالِ التي اخْتُصُّوا بها، ولِمَا لهم مِن الفَهْمِ التامِّ والعلْمِ الصحيحِ والعملِ الصالحِ، لا سيَّما علماؤُهم وكُبراؤُهم, كالأئمَّةِ الأربعةِ الخلفاءِ الراشدينَ، والأئمَّةِ الْمَهديِّينَ، مِثْلِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ. قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ: حَدَّثَنا أبو كُريبٍ قالَ: أنبأنا جابرُ بنُ نوحٍ, قالَ: أنبأنا الأعمَشُ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسروقٍ قالَ: قالَ عبدُ اللهِ - يعني: ابنَ مسعودٍ: والذي لا إلهَ غيرُه! ما نَزلتْ آيةٌ مِن كتابِ اللهِ إلا وأنا أَعْلَمُ فيمَن نَزلتْ، وأين نَزلتْ، ولو أَعلمُ مكانَ أحَدٍ أَعْلَمَ بكتابِ الله مِنِّي تَنالُهُ الْمَطايا لأَتَيْتُهُ. وقالَ الأعمَشُ أيضًا: عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ قالَ: كان الرجُلُ منا إذا تَعَلَّمَ عَشْرَ آياتٍ لم يُجَاوِزْهُنَّ حتى يَعرفَ مَعانيَهنَّ والعملَ بهنَّ. ومنهم الحَبْرُ البَحْرُ: عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، تُرْجُمانُ القرآنِ ببركةِ دعاءِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ له، حيث قالَ: (( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) ).