وكانت قديمةً - لم يكن القديمُ واحدًا، بل عددًا، فإنهم يقولون: اللهُ تعالى قديمٌ، فإذا قلنا: للهِ تعالى سَمْعٌ، وسَمْعُه قديمٌ، وله بصَرٌ، وله كلامٌ، وله علْمٌ، وله قُدرةٌ، وله مَحَبَّةٌ، كانت هذه الصفاتُ أيضًا قديمةً، فلا يكونُ القديمُ واحدًا، بل عددًا.
ثم إنهم يَعتقدونَ أنَّ الصفاتِ شيءٌ زائدٌ على الذاتِ، وأنَّ الصفةَ غيرُ الموصوفِ، وكلُّ هذا سوءُ فَهْمٍ؛ وذلك لأنَّ الصفةَ تقومُ بالموصوفِ، وإذا قامَت الصفةُ بالموصوفِ فلا يَثْبُتُ التعَدُّدُ، فنحن نقولُ: إنَّ اللهَ واحدٌ، وأحَدٌ، وأنَّ له سَمْعًا وبَصرًا ويَدًا ووَجْهًا، ونحوَ ذلك، كما يقالُ ذلك في الإنسانِ. أنتَ مَثَلًا إذا قلتَ: جاءني رَجُلٌ واحدٌ، فهل تُعَدِّدُ جوارحَهُ، لا تقولُ: جاءني، وجاءني رأسُه، وجاءتني يدُه، وجاءتني رجلُه، وجاءني قلبُه. جاءني واحدٌ، فكذلك إذا قُلنا: اللهُ تعالى واحدٌ؛ نقولُ: اللهُ واحدٌ بسمْعِهِ وبصرِه وبكلامِه وبحياتِه وبعلْمِه وبمحبَّتِه، واحدٌ، فلا يكونُ في إثباتِ الصفاتِ إثباتًا للتعَدُّدِ.
ولكنَّ المعتزِلةَ جَعَلوا التوحيدَ هو نفيَ الصفاتِ، فكأنهم أَثْبَتوا ذاتًا مُجَرَّدةً عن الصفاتِ، فجَعلوا هذا هو التوحيدَ، حتى نَفَوا الجهةَ، نَفَوْا أنْ يكونَ اللهُ تعالى على عَرْشِه، وأن يكونَ فوقَ العالَمِ، ونَفَوا أنَّ اللهَ تعالى يُرَى بالأبصارِ عِيانًا في الآخرةِ، ونَفَوْا أنَّ اللهَ متكلِّمٌ، وجَعلوا القرآنَ مخلوقًا، وقالوا: إنَّ اللهَ ليس فوقَ العالَمِ، ونَفَوا أنْ يقومَ به شيءٌ مِن الصفاتِ، فقالوا: ليس له علْمٌ ولا قُدرةٌ ولا حياةٌ ولا سمْعٌ ولا بصرٌ ولا كلامٌ ولا صفةٌ مِن الصفاتِ؛ كلُّ ذلك مخافةَ التعدُّدِ عندَهم، هذا حقيقةُ التوحيدِ.
ولما اعتَقَدوا هذا تأَوَّلُوا الآياتِ التي تدلُّ على هذه الأشياءِ، ولكن وَقَعوا فيما فَرُّوا منه؛ فإنهم إذا قالوا: إنَّ الغضبَ: إرادةُ الانتقامِ؛ قلنا لهم: أنتم أثْبَتُّم الإرادةَ، فهل هي كإرادتِنا؟ فإذا قالوا: لا؛ إرادةٌ تَليقُ به، قلنا: نحنُ نقولُ: غَضَبٌ يَليقُ به، وكذلك محبةٌ تليقُ به، وأشباهُ ذلك من الصفاتِ، فنُثبتُها ونقولُ: إنها مِن الصفاتِ التي تناسِبُ الموصوفَ؛ وذلك لأنَّ كلَّ صفةٍ تُناسِبُ مَن يَتَّصفُ بها، ولو اتَّفَقَت الأسماءُ فإنها تَختلفُ باختلافِ المضافِ إليها، فمعلومٌ مثلًا: أنَّ المخلوقاتِ توصَفُ بالحياةِ مع تفاوُتِ ما بينَها، فأنتَ تقولُ: هذه أرضٌ حَيَّةٌ، وهذه شجرةٌ حَيَّةٌ، وهذه ناقةٌ حَيَّةٌ؛ فهل يقالُ: حياةُ الناقةِ كحياةِ الشجرةِ، اتَّفَقَتْ في الاسمِ. والحاصلُ أنَّ هذا يطولُ الكلامُ حولَه، وهو معروفٌ في كُتُبِ العقيدةِ.
الثاني: العدلُ. ما مُرادُهم بالعدلِ؟ ما هو عدلُهم؟ نفيُ قُدرةِ اللهِ تعالى على أفعالِ العِبادِ، أنَّ اللهَ لم يُنْشِئْ جميعَ الكائناتِ ولا خَلَقَها، ولا هو قادرٌ عليها كلِّها، نفيُ القُدرةِ، ويقولون: إنَّ اللهَ لو خَلَقَ المعصيةَ في العاصي ثم عاقَبَه كان ظالمًا, ولم يكنْ عادلًا، هذه فِكْرَتُهم.
ونحن نقولُ: إنَّ اللهَ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، وأنه هو الذي يَهْدِي مَن يشاءُ ويُضِلُّ مَن يشاءُ، ولا يكونُ في الوجودِ إلا ما يُريدُ، وأنه سُبحانَه المتصَرِّفُ في خَلْقِه كما يشاءُ، فليس لأحدٍ تَصَرُّفٌ معه، ولكن نقولُ أيضًا: إنه سبحانَه أعطى العِبادَ قُدرةً يُزاولونَ بها الأعمالَ؛ تُنْسَبُ بها أعمالُهم إليهم، فالعِبادُ فاعلونَ حقيقةً، واللهُ خالقُهم وخالقُ أفعالِهم، وللعِبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم، ولهم إرادةٌ، واللهُ خالقُهم وخالقُ قُدرتِهم وإرادتِهم، والعبدُ هو المؤمنُ والكافرُ، والْبَرُّ والفاجرُ، والمصَلِّي والصائمُ، يعني: تُنْسَبُ إليه أعمالُه، مع أنَّ اللهَ هو الذي هداه وأَنْعَمَ عليه فصارَ مؤمنًا، وأضلَّ هذا وخَذَلَه حتى اختارَ الكُفْرَ، فصارَ كافرًا، وللهِ الْحُجَّةُ على خَلْقِه {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لِهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} .