الصفحة 54 من 89

الصحيحينِ كثيرًا، أما إبراهيمُ ابنُه فيُمكنُ أنه تَأَثَّرَ بشيخِه الذي هو هذا الأصمُّ، والذي كان يُناظِرُ الشافعيَّ، يعني: مناظراتٍ جَدَلِيَّةً، ومثلُ أبي عليٍّ الجبائيِّ، وهم مِن رؤوسِ المعتزِلةِ، وكذلك ابنُه أبو هاشمٍ الجبائيُّ؛ مِن رؤوسِ المعتزِلةِ ومشاهيرِهم.

ومثلُ التفسيرِ الكبيرِ للقاضي عبدِ الجبارِ بنِ أحمدَ الهَمْدانيِّ، وهو شيخُ مَذْهَبِهم، الهمدانيُّ هذا له مؤلَّفاتٌ كبيرةٌ وكثيرةٌ، وأشهرُها كتابُه الذي سَمَّاهُ: (المُغنِي) ، طُبِعَ مُحَقَّقًا في سُورِيَةَ، في أربعةَ عشرَ مُجَلَّدًا، في معتقَدِ المعتزِلةِ، وفي تأويلاتِهم للأدِلَّةِ، وفي نَصْرِ عقائدِهم. ولعبدِ الجبارِ هذا الكتابُ الذي أَشَرْنا إليه قريبًا، وهو الذي سَمَّاهُ (مُتشابِهَ القرآنِ) ، والذي حَقَّقَه زرزور في مُجَلَّدَيْنِ، وله أيضًا كتابُه الذي سَمَّاه (الأصولَ الخمسةَ) ، الأصولُ الخمسةُ التي هي أصولُ المعتزِلةِ، وله مؤلَّفاتٌ كثيرةٌ, فهو الذي أَلَّفَ لهم ومَكَّنَ لهم.

ومِن المعتزِلةِ أيضًا: أبو الحسينِ البَصريُّ، عالمٌ مِن علماءِ النحوِ، ولكنه مِن المتأثرينَ بهؤلاءِ؛ فله أقوالٌ في نَصْرِ المذهبِ الاعتزاليِّ، وله تأويلاتٌ أيضًا ومُجادَلاتٌ، أبو الحسينِ البصريُّ، وكذلك التفسيرُ المشهورُ أيضًا لعليِّ بنِ عيسى الرمانيِّ، ولا أَذْكُرُ أنه موجودٌ، والتفسيرُ الذي لأبي القاسمِ الزمخشريِّ، وهو أَشْهَرُها، والذي يُسَمَّى (الكشافَ عن تأويلِ القرآنِ) ، وهذا الزمخشريُّ مِن مشاهيرِ علماءِ المعتزِلةِ، لُغَوِيٌّ فصيحٌ جَدَلِيٌّ، عارفٌ بمفرداتِ اللغةِ، وله كتُبٌ في اللغةِ مشهورةٌ، وأشهَرُ كُتُبِه: هذا (الكشافُ) ، وقد ذَكَرَ فيه تأويلاتٍ كثيرةً تَتعلَّقُ بِمَذْهَبِهِ، يُدخِلُ مَذهبَه - الذي هو الاعتزالُ - في هذا التفسيرِ إدخالًا خَفِيًّا، حتى قالَ بعضُهم: أَخْرَجْتُ الاعتزالَ مِن الكشافِ بالمناقيشِ، يعني: لا يَخرُجُ إلا بأشياءَ خَفِيَّةٍ، استَنْبَطُوا منه ما يَدُلُّ على مُعتَقَدِه؛ بإشاراتٍ خَفِيَّةٍ، حتى لَمَّا ذَكَرَ قولَ اللهِ تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} قالَ: ولا فوزَ أكبرُ مِن دُخولِ الجنةِ، ظاهرُ هذا أنه كلامٌ لا بأسَ به، ولكن يُريدُ بذلك نفيَ صفةِ الرؤيةِ, وأنَّ اللهَ تعالى لا يُرَى؛ لأنَّ الرؤيةَ في الجنةِ أَعظَمُ نعيمِهم، فكأنه يقولُ: هذا مُنْتَهَى الفوزِ، منتهى الفوزِ: دخولُ الجنةِ، لا فَوْزَ غيرُ ذلك، فاستَنْبَطُوا منه هذا الاستنباطَ الخفيَّ، وكذلك كثيرٌ مِن الآياتِ يُحَمِّلُها ما لا تَحتمِلُ، سيَّما على مَذْهَبِهم؛ مِن إسنادِ الأفعالِ إلى العِبادِ، وعدَمِ قُدرةِ اللهِ تعالى عليها.

وقد رَدَّ عليه صاحبُ (الانتصافِ) كتابٌ مُعَلِّقٌ عليه، سَمَّاهُ: (الانتصافُ مِن الكشافِ) ، وهو لم يَسْتَوْفِ ما يُنْتَقَدُ عليه إلا في مَذهبِ القدَرِ، وفي مَذهبِ بعضِ الكلماتِ، وصاحبُ (الانتصافِ) أشعريٌّ، فلأجْلِ ذلك لم يَنتقدْهُ في الصفاتِ التي اتَّفَقَ مَذهبُ الأشاعرةِ ومَذهبُ المعتزِلةِ على نفيِها، فيُقِرُّه على تفسيرِ قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ} أي: أَمْرُ اللهِ، ويُقِرُّهُ على تفسيرِ المحبَّةِ وصَرْفِها عن ظاهرِها، كقولِهم: {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} أي: لا يُريدُه، يَستَدِلُّونَ بذلك على أنَّ اللهَ تعالى لا يَخْلُقُ أفعالَ العِبادِ، ويُفَسِّرُونَ المحبَّةَ بالإرادةِ، وهو تفسيرٌ بعيدٌ. وأشباهُ ذلك.

يقولُ:"هؤلاءِ وأمثالُهم اعتَقَدُوا مَذاهبَ المعتزِلَةِ"، ذَكَرَ أنَّ أصولَ المعتزِلةِ خمسةٌ، يُسَمُّونَها: التوحيدَ، والعدلَ، والمنزلةَ بينَ المنزلتينِ، وإنفاذَ الوعيدِ، والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكَرِ، إذا رأيتَ أسماءَها فإذا هي أحسَنُ شيءٍ، ولكن في داخلِها حِقْدٌ، وفي داخلِها دسائسُ؛ فالتوحيدُ عندَهم هو توحيدُ الْجَهْمِيَّةِ، الذي مضمونُه نفيُ الصفاتِ وغيرُ ذلك، قالوا: إن اللهَ لا يُرَى، والقرآنُ مخلوقٌ، وليس اللهُ فوقَ العالَمِ، ولا يقومُ به عِلْمٌ ولا قُدرةٌ ولا حياةٌ ولا سَمْعٌ ولا بَصَرٌ ولا كلامٌ ولا مشيئةٌ ولا صفةٌ مِن الصفاتِ، هذا هو التوحيدُ عندَهم، لماذا سَمَّوهُ تَوحيدًا؟ لأنَّ أَخَصَّ الصفاتِ عندَهم: صفةُ القِدَمِ، فإذا أَثْبَتُوا هذه الصفاتِ -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت