الصفحة 53 من 89

يقولُ:"وتارةً يَتأوَّلونَ ما يُخالِفُ مَذهبَهم؛ بما يُحَرِّفونَ به الكَلِمَ عن مَواضعِه"، يُحَرِّفونَ الكلِمَ عن مَواضعِه، كلُّ آيةٍ تخالِفُ مُعتقَدَهم يُسَلِّطونَ عليها التأويلاتِ، مثلُ قولِه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، رأيتُ لبعضِهم قولًا: إنَّ (إلى ربِّها) يعني: نِعمةِ رَبِّها، فجَعَلوا (إلى) اسمًا لا حرفًا، وهذا تأويلٌ بعيدٌ عما يَقتضيهِ سياقُ الآيةِ. وكلُّ ذلك ليَخْرُجُوا عن دَلالةِ الآيةِ على إثباتِ الرؤيةِ.

وكذلك تأويلُ الأشاعرةِ لآياتِ المجيءِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي: جاءَ أَمْرُه، وأشباهُ ذلك، يَتأوَّلُونَ ما يُخالِفُ مَذهبَهم بما يُحَرِّفونَ به الكَلِمَ عن مَواضِعِه.

مَثَّلَ بفِرَقِ الخوارجِ الروافضَ والجهميَّةَ والمعتزِلَةَ والقَدريَّةَ والْمُرْجِئَةَ، فيقولُ ابنُ عباسٍ في الخوارجِ: إنهم نَظَروا إلى آياتٍ نَزلتْ في الكُفَّارِ فحَملوها على المؤمنينَ. وهذا أيضًا مِن التحريفِ، فمَثلًا: اعتقادُهم أنَّ المعاصيَ يُخَلَّدُ بها في النارِ، فيَستدِلُّونَ بِمِثلِ قولِه تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} ، هذا في الكُفَّارِ المشركينَ، وأما العصاةُ إذا دَخَلُوا النارَ فإنهم يَخْرُجُونَ منها, كما وَرَدَ ذلك في السُّنَّةِ، ويَستَدِلُّونَ بقولِه تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} ، وهذا في الكُفَّارِ، وأشباهُ ذلك، فهؤلاءِ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مواضِعِه.

وكذلك الروافضُ، ويَأتينا لهم تأويلاتٌ عجيبةٌ، وكذلك الْجَهميَّةُ أتباعُ الْجَهْمِ، وهو اعتقَدَ ثلاثَ عقائدَ مِن البِدَعِ, اعْتَقَدَ التعطيلَ، واعتقَدَ الجبرَ، واعتقَدَ الإرجاءَ، فهو يقولُ بالإرجاءِ، يعني: تَغليبَ جانبِ الرجاءِ، ويقولُ بالجَبْرِ: أنَّ العِبادَ مَجبورونَ على أعمالِهم، ليس لهم اختيارٌ، ويقولُ بالتعطيلِ: أي: أنَّ اللهَ تعالى ليس له صفاتٌ، فيُعَطِّلُونَ اللهَ تعالى عن صفاتِ الكمالِ، وتَفَرَّقَ مَذهبُه في هذه الْمَذاهبِ، وأكثرُه في المعتزِلَةِ، والمعتزِلَةُ هم الذين انْتَشَرَ مَذهبُهم، ويَأتينا أصولُهم، والقَدَرِيَّةُ أيضًا يَغْلِبُ أنهم أيضًا مِن المعتزِلةِ، أكثرُ ما يُطْلَقُ القَدَرِيَّةُ على المعتزِلَةِ الذين يُنكِرُونَ قُدرةَ اللهِ على أفعالِ العبادِ، ويَدخُلُ في القَدرِيَّةِ: الغُلاةُ الذين يَحْتَجُّونَ بالقَدَرِ على المعاصي؛ فإنهم أيضًا قَدَرِيَّةٌ؛ لأن القَدريَّةَ قِسمانِ: قَدريَّةٌ نُفاةٌ، وقَدَرِيَّةٌ مُجْبِرَةٌ.

والْمُرْجِئَةُ: الذي يُغَلِّبُونَ جانبَ الرجاءِ، فيَتأوَّلونَ الآياتِ التي في الوعيدِ؛ لأنَّ مِن عقيدتِهم: أنَّ أهلَ المعاصي لا يَدخلونَ النارَ، ولو عَمِلُوا ما عَمِلوا، ويقولونَ: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنْبٌ، كما لا يَنفعُ مع الشرْكِ عَمَلٌ، هذا مُعتقَدُهم، وقياسُهم قياسٌ فاسدٌ، بل المعاصي تَضُرُّ، ولو قيلَ ذلك؛ لرُخِّصَ للناسِ في فِعْلِ المعاصي والمحرَّماتِ، مع ما وَرَدَ فيها مِن الوَعيدِ.

ثم مَثَّلَ؛ يقولُ:"كالمعتزِلَةِ مَثلًا؛ فإنهم مِن أعظمِ الناسِ كَلامًا وجِدالًا"يعني: انْتَشَرَتْ مُؤَلَّفَاتُهُم وكَثُرَ جِدَالُهُم، ويَحْصُلُ الجدالُ الكثيرُ بينَهم وبينَ الأشاعرةِ، والأشاعرةُ يَدَّعِي مَن يَعتقِدُ مُعتقدَهم أنهم أهلُ السُّنَّةِ؛ مع المخالَفَةِ لهم، يعني: بينَهم وبينَ مَذهبِ السلَفِ مُخالفاتٌ كثيرةٌ، ومع ذلك فإنَّ بينَهم وبينَ الأشاعرةِ جِدالًا وخُصوماتٍ ومنازعاتٍ.

يقولُ:"وقد صَنَّفُوا تفاسيرَ على أصولِ مَذهبِهم"يعني: صَنَّفُوا على أصولِ مَذهبِهم تَفاسيرَ، وكذلك مُؤَلَّفَاتٍ، مثلَ تفسيرِ عبدِ الرحمنِ بنِ كَيسانَ الأصمِّ، شيخِ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ ابنِ عُليَّةَ، الذي كان يُناظِرُ الشافعيَّ، هذا عبدُ الرحمنِ بنُ كَيسانَ كان شيخًا لإبراهيمَ، إبراهيمُ هذا؛ أبوه: العالمُ المشهورُ: إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، مِن الْحَفظةِ ومِن علماءِ السلفِ، يَرْوِي عنه أهلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت