الصفحة 52 من 89

الآخِرونَ الذين هم المبتدِعَةُ. كما أنَّ الأوَّلينَ ـ يعني: المبتدِعَةَ ـ كثيرًا ما يَغْلَطُون في صِحَّةِ المعنى الذي فَسَّرُوا به القرآنَ، كذلك يَغْلَطُ في ذلك الآخِرونَ.

فالطائفتانِ كِلاهما يَغْلَطُونَ في صِحَّةِ المعنى، وإن كان نظَرُ الأَوَّلينَ إلى المعنى أَسبَقَ، ونَظَرُ الآخرينَ إلى اللفظِ أَسْبَقَ، المبتدِعَةُ كالمعتزِلةِ نَظَرُهم إلى المعنى، وأمَّا الذين يُفَسِّرُونَ بالرأيِ؛ فنَظَرُهُم إلى اللفظِ، الأوَّلُونَ كالرافضةِ والمعتزِلَةِ، صِنفانِ: تارةً يَسْلُبُونَ لفظَ القرآنِ ما دلَّ عليه وأُريدَ به، وتارةً يُحَمِّلُونه ما لم يَدُلُّ عليه ولم يُرَدْ به، وهذا يَحْصُلُ في كلِّ قومٍ يَعتقدونَ اعتقادًا، فيَذكرونَ أو يَتأوَّلونَ دَلالاتِ الآياتِ، فإذا جاءَتْهم الآياتُ التي فيها ما يُخَالِفُ مُعتقدَهم حَمَّلُوها ما لا تَحْتَمِلُ.

مثالُ ما يَسْتَدِلُّ به الْمُعْتَزِلَةُ على نَفْيِ قُدرةِ اللهِ تعالى: أنهم يُحَرِّفُونَ قولَه تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} ، وقولَه: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} ، وقولَه تعالى: {فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُو اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} ، وقولَه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} ، فهذه الآياتُ لَمَّا كانت تُخالِفُ معتقدَهم؛ صَعُبَ عليهم أنْ يَحْمِلُوهَا على مَدْلُولِها، فصاروا يُحَرِّفُونَها ويَحْمِلُونَهَا على مَحامِلَ بعيدةٍ، فيَحْمِلُونَها على أنَّ المرادَ: المشيئةُ التي ليستْ مشيئةً عامَّةً؛ بل مشيئةً خاصَّةً، ونحوَ ذلك، فيَسلُبونَ لفْظَ القرآنِ ما دَلَّ عليه وما أُريدَ به، وتارةً يُحَمِّلونَه ما لم يَدُلَّ عليه ولم يُرَدْ به، وفي كِلا الأمرينِ قد يكونُ ما قَصَدُوا نَفْيَه أو إثباتَه مِن المعنى باطلًا، المعنى الذي قَصَدُوه يكونُ باطلًا، سواءٌ الذي يَنفونَه أو الذي يُثْبِتُونَهُ.

ويَتكلَّفونَ في كثيرٍ مِن الألفاظِ التي لا يَستطيعونَ أن يُحَرِّفُوهَا، فيَحملونَها على مَحامِلَ بعيدةٍ، فيكونُ خَطَؤُهم في الدليلِ والمدلولِ، وقد يكون حقًّا فيكونُ خَطَؤُهم في الدليلِ لا في المدلولِ، قد يكونُ الدليلُ غيرَ ظاهرٍ فيما ذَكروهُ، ولكنَّ المدلولَ الذي أَرادوهُ يكونُ ظاهرًا.

وهذا كما أنه وَقَعَ في تفسيرِ القرآنِ؛ فقد وَقَعَ أيضًا في تفسيرِهم للأحاديثِ؛ حيث حَمَلُوها على مَحاملَ بعيدةٍ. فالذين أَخْطَأُوا في الدليلِ والمدلولِ؛ مثلُ طوائفَ مِن أهلِ البِدَعِ، اعْتَقَدُوا مَذهبًا يُخالِفُ الحقَّ الذي عليه الأمَّةُ الوَسَطُ، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، اعتَقَدُوا مَذاهبَ تُخَالِفُ مَذهبَ أهلِ الحقِّ، الأمَّةُ الوسَطُ الذين لا يَجتمعونَ على ضَلالةٍ، كسَلَفِ الأُمَّةِ وأَئِمَّتِهَا، وعَمَدُوا إلى القرآنِ، فتَأَوَّلُوهُ على آرائِهم، تَرَكُوا الحقَّ الذي عليه السلَفُ.

ولَمَّا اعْتَقَدُوا عقائدَ مُنحرِفَةً؛ تَأَوَّلُوا القرآنَ على آرائِهم، وعلى أهوائِهم، تارةً يَستَدِلُّونَ بالآياتِ على مَذهبِهم ولا دَلالةَ فيها، ومِن التفاسيرِ التي أَشَرْنَا إليها سابقًا: تفسيرٌ مطبوعٌ باسمِ: (مُتشابِهُ القرآنِ) للقاضي عبدِ الجبارِ، الذي يَأتينا ذِكْرُه قَريبًا، هذا التفسيرُ حَقَّقَه أحَدُ العلماءِ الذين يَتَسَمَّوْنَ بالعلْمِ في سُورِيَةَ، واسمُه: عدنان زرزور، وملأَهُ بالزُّورِ، مِثالُ ذلك: أنه إذا جاءَ إلى آيةٍ فيها إثباتُ الصفاتِ؛ سلَّطَ عليها التأويلَ، وإذا جاءَ إلى آيةٍ يَظهَرُ فيها استدلالُهم؛ يقولُ: لنا قولُ اللهِ تعالى، فيَذكُرُ ما يَستدِلُّونَ به، كقولِه تعالى في سورةِ الأنعامِ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} فإنه حَمَلَ الإدراكَ على الرؤيةِ؛ لأنهم يَعتقدونَ أنَّ اللهَ لا يُرَى، والإدراكُ عندَ العربِ غيرُ الرؤيةِ، وهو شيءٌ زائدٌ عليها؛ لقولِه تعالى: {فَلَمَّا تَرَآى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} يعني: مُحاطٌ بنا، فقالَ: {كَلَّا} ، فدَلَّ أنَّ هناك رؤيةً، وهناك إدراكًا، ولكنَّ المعتزِلَةَ لَمَّا كانوا يَعتقدونَ عقائدَ؛ حَمَّلُوا الآياتِ ما لا تَحتَمِلُهُ؛ لتَدُلَّ على مُعتقَدِهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت