نفيَ الصفاتِ، فحَمَلُوا القرآنَ على ما اعْتَقَدُوهُ، وكذلك اعتقادُهم عَدَمَ قُدرةِ اللهِ على أفعالِ العِبادِ، فحَمَلُوا الآياتِ على ما اعتَقَدُوهُ، وكذلك الخوارجُ لَمَّا اعتَقَدُوا تخليدَ العُصاةِ في النارِ، صاروا يَحْمِلُونَ الآياتِ على ما يَعتقدونَه، وأشباهُهم كثيرٌ، كما سيأتي بأَمثلةٍ.
الجهةُ الثانيةُ: قومٌ فَسَّرُوا القرآنَ بِمُجَرَّدِ ما يَسوغُ أن يُريدَه بكلامِه مَن كان مِن الناطقينَ بلغةِ العربِ، فيُسَمَّى هذا التفسيرَ بالرأيِ، أو بمجرَّدِ الفهْمِ، قومٌ لم يكنْ لهم اشتغالٌ بعِلْمِ التفسيرِ ولا النقْلِ ولا السنَّةِ، ولكن عندَهم مَعرفةٌ باللغةِ، وعندَهم معرفةٌ بمعاني الكلامِ، فلمَّا كان عندَهم هذه المعرِفةُ؛ أَخَذوا يُفَسِّرُونَ القرآنَ بما يَفهمونَه، ويَحملونَه على مَحامِلَ حَسَبَ أفهامِهم. يَظْهَرُ هذا كثيرًا في تفسيرِ كثيرٍ مِن المتكَلِّمينَ، كتفسيرِ البيضاويِّ، وأبي السعودِ، والنسفِيِّ، هؤلاءِ يُفَسِّرونَ القرآنَ بالرأيِ، ولا يَذكرونَ أَدِلَّةً، أعطاهم اللهُ تعالى فصاحةً ومَعرفةً باللغةِ، فصاروا يَحملونَهُ على ما يَفهمونَه، دونَ أن يَرْجِعوا إلى أسبابِ النزولِ، أو دونَ أن يَرْجِعوا إلى أقوالِ السلَفِ الذين أُنْزِلَ القرآنُ في عَهْدِهم، والذينَ هم أَعْلَمُ بِمَعانِيهِ.
الأوَّلُونَ رَاعَوُا المعنى الذي رَأَوْهُ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما تَستحِقُّه ألفاظُ القرآنِ مِن الدَّلالةِ والبيانِ، يعني: كهؤلاءِ المبتدِعَةِ، كالخوارجِ والمعتزِلَةِ والروافضِ ونحوِهم، المعنى الذي رَأَوْهُ واعتقَدُوهُ رَاعَوْهُ؛ مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما تَستحِقُّه ألفاظُ القرآنِ، ألفاظُ القرآنِ واضحةُ الدَّلالةِ، واضحةُ البيانِ، ولكن لَمَّا كان هؤلاءِ مُخالِفينَ في الاعتقادِ؛ عندَ ذلك حَمَّلوا الآياتِ ما لا تَحتملُه, وحَرَّفُوا الكلِمَ عن مَواضِعِه.
ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ في مَوْضِعٍ مِن كُتُبِه: أنَّ المعتزِلَةَ فَسَّرُوا قولَ اللهِ تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} قالوا: كلَّمَه: جَرَّحَه، جَرَّحَه بأظافيرِ الحكمةِ، فنَفَوْا ما يَعتقدونَه مِن أنَّ اللهَ تعالى لا يَتكلَّمُ، نَفَوْا ظاهرَ الآيةِ بِناءً على ما يَعتقدونَه، ونَسُوا دَلالاتِ الآياتِ، ونَسُوا سياقَ الآياتِ، ونَسُوا الآياتِ الأُخْرَى التي تُصَرِّحُ بخطأِ ما قالوه، وهي آياتٌ كثيرةٌ، مثلُ آياتِ النداءِ: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} ، {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} ، والنداءُ كلامٌ، ومثلُ قولِه تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلَامِي} ، فلما كانوا يَعتقدونَ أنَّ اللهَ تعالى لا يَتكلَّمُ؛ ثَقُلَ عليهم معنى هذه الآيةِ.
فبعضُهم حاوَلَ أن يُحَرِّفَ اللفظَ. جاءَ واحدٌ منهم إلى أبي عَمرٍو ـ أحدِ القرَّاءِ السبعةِ ـ وقالَ: أريدُ أن تَقرأَ هذه الآيةَ (وَكَلَّمَ اللهَ مُوسَى تَكْلِيمًا) أي: موسى هو الذي كَلَّمَ اللهَ، ولكنَّ أبا عَمرٍو رَحِمَه اللهُ قالَ له: هَبْ أني قرأتُ هذه الآيةَ كذلك، فكيف تَصْنَعُ بقولِ اللهِ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّه} ؟ فبُهِتَ ذلك المعتزِلِيُّ؛ لأنَّ هذه الآيةَ لا يُمْكِنُ تَحريفُها، فحَرَّفُوهَا بأن قالوا: كَلَّمَه: جَرَّحَه، ونَسُوا قولَه: {اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} ، ونَسُوا أو تَنَاسَوا آياتِ النداءِ. وأمثلةُ تحريفِهم كثيرةٌ.
والآخَرون الذين فَسَّرُوا القرآنَ بِمُجَرَّدِ ما يَفهمونَه مِن اللغةِ؛ راعَوْا مُجَرَّدَ اللفظِ الذي فَهِمُوهُ؛ لأن عندَهم فصاحةً وبلاغةً، وراعَوْا ما يَجوزُ عندَهم أن يُريدَ به العربيُّ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى ما يَصْلُحُ للمتكَلِّمِ به، ولسياقِ الكلامِ، يعني: ما نَظَرُوا إلى أسبابِ النزولِ، ولا نَظَرُوا إلى سِياقِ الكلامِ، ولا إلى دَلالةِ النصوصِ، ولا إلى تفاسيرِ السلَفِ، ثم هؤلاءِ كثيرًا ما يَغْلَطُونَ في احتمالِ اللفظِ لذلك المعنى في اللغةِ، يَحْمِلونَ الكلامَ على مَحامِلَ بعيدةٍ، ويقولونَ: إنَّ اللغةَ تَحْتَمِلُ ذلك. كما يَغْلَطُ في ذلك الذين قَبْلَهُم؛ يَغْلَطُ