الصفحة 50 من 89

الشرْحُ:

سَمِعْنا هذا التقسيمَ الذي ذَكَرَه شيخُ الإسلامِ رَحِمَه اللهُ، وكذلك هذه الأمثلةَ التي ذَكَرَها عن مِثْلِ هؤلاءِ المفَسِّرِينَ مِن المبتَدِعَةِ، وهذا النوعُ الثاني مِن مُسْتَنَدِي الاختلافِ وهو ما يُعْلَمُ بالاستدلالِ لا بالنقْلِ.

يقولُ:"إنَّ هذا النوعَ يُعْلَمُ بالاستدلالِ لا بالنقْلِ"أي: عُمْدَتُهُمْ ليس نَقْلًا وليس شيئًا سَبَقُوا إليه، وإنما هو استدلالٌ يَسْتَدِلُّونَ بالآياتِ عليه وهو بعيدٌ عما يَسْتَدِلُّونَ به.

يقولُ:"هذا أَكثرُ ما يَقَعُ فيه الخطأُ مِن جهتينِ". أكثرُ ما يَقَعُ الخطأُ في هذا الأسلوبِ الذي هو: ما يُعلَمُ بالاستدلالِ ليس بالنقلِ مِن هاتينِ الجهتينِ، ذَكَرَهما بقولِه:"أحدُهما: قومٌ اعتَقَدوا معانيَ ...."، ثم ذَكَرَ ثانيةً:"قومٌ فَسَّروا القرآنَ بمجَرَّدِ ما يَسوغُ"، وما ذَكَرَ بينَهما اعتراضٌ.

هاتانِ الجهتانِ حَدَثَتا بعدَ تفسيرِ الصحابةِ والتابعينَ وتابعيهم بإحسانٍ، لم تَحْدُثْ هاتانِ الجهتانِ في عهدِ الصحابةِ، ولا في عهدِ التابعينَ لهم بإحسانٍ. التفاسيرُ التي يُذْكَرُ فيها كلامُ هؤلاءِ صِرْفًا، الذي يُنقَلُ بالإسنادِ، كتفسيرِ ابنِ جريرٍ وابنِ حاتمٍ؛ لا يكادُ يوجَدُ فيها شيءٌ مِن هاتينِ الجهتينِ، وإنما يُفَسِّرونه بما ظَهَرَ لهم، أو بما سَمِعوه، مثلُ تفسيرِ عبدِ الرزاقِ، وهو مطبوعٌ في مجلدينِ، كما هو مشاهَدٌ، وتفسيرِ وكيعٍ، ولا يَظهَرُ أنه موجودٌ, مع أنَّ وكيعًا رَحِمَه اللهُ كان مِن العلماءِ الأَجِلاَّءِ، وهو شيخُ الإمامِ أحمدَ، وهو أيضًا قرينُ الشافعيِّ الذي ذَكَرَهُ بقولِه:

شَكَوْتُ إلى وَكيعٍ سُوءَ حِفْظِي فأَرْشَدَنِي إلى تَرْكِ المعاصي

وقالَ: اعْلَْم بأنَّ العلْمَ نُورٌ ونورُ اللهِ لا يُؤْتَاهُ عاصِي

وعبدُ بنُ حُمَيْدٍ، وله (المنتخَبُ) الموجودُ المطبوعُ، مُنْتَخَبٌ مِن مُسْنَدِهِ، وهو شيخُ الإمامِ مسلِمٍ، يَرْوِي عنه كثيرًا في صحيحِه، وتفسيرِ عبدِ الرحمنِ بنِ إبراهيمَ، الذي يُلَقَّبُ: دُحيمٌ، ولا يَظْهَرُ أيضًا أنه موجودٌ، ومثلُ تفسيرِ الإمامِ أحمدَ، يَذكرونَ أنه رَوَى فيه كثيرًا مِن الآثارِ، قد تَصِلُ إلى مائةٍ وعشرينَ أَلْفَ أَثَرٍ، وإسحاقَ بنِ رَاهوَيْهِ، إسحاقَ بنِ إبراهيمَ المشهورِ الذي هو مِن الأئمَّةِ، قَرينِ الإمامِ أحمدَ، وبَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ، العالِمِ المشهورِ الأندلسيِّ، الذي اسْتَوْفَى أحاديثَ الصحابةِ، ورَتَّبَها على الأبوابِ، وأَحْصَى كلَّ ما روى كلُّ صحابِيٍّ، وكان قَدِمَ إلى العراقِ لطلَبِ الحديثِ، فجَمَعَ حديثًا كثيرًا، وتفسيرِ أبي بكرِ بنِ المنذِرِ، ابنُ المنذرِ العالمُ المشهورُ، الذي طُبِعَ له كُتُبٌ كثيرةٌ، منها (الإجماعُ) و (المبسوطُ) وغيرُه، وسفيانُ بنُ عُيينةَ، وهو شيخُ الإمامِ أحمدَ، عالمُ مكةَ المشهورُ، وتفسيرِ سُنيدٍ، ويَظهرُ أيضًا أنه ليس بموجودٍ.

وتفسيرِ ابنِ جريرٍ، وهو أَجَلُّهَا، أجَلُّ التفاسيرِ وأَعْظَمُها؛ لأنه يَتَعَرَّضُ للأقوالِ، وترجيحِ بعضِها على بعضٍ، ويَذْكُرُ الإعرابَ والاستنباطَ، فهو بذلك فائقٌ على تفاسيرِ الأقدمينَ، وتفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ، وقد طُبِعَ أكثرُه، وفيه نَقْصٌ نُقِلَ بعضُه مِن تفاسيرِ الآخِرينَ، وهو عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ بنِ إدريسَ الرازيُّ، صاحبُ الْجَرْحِ والتعديلِ، وتفسيرِ أبي سعيدٍ الأشَجِّ، وأبي عبدِ اللهِ بنِ ماجهْ، وهذانِ يَظهَرُ أنهما غيرُ مَوجودينِ، وتفسيرِ ابنِ مَرْدَوَيْهِ، يَنْقُلُ عنه ابنُ كثيرٍ، ويَظهرُ أنه ما اطَّلَعَ إلا على نِصفِه الأوَّلِ. في آخِرِ تفسيرِه يَنْقُلُ عنه.

بعدَما ذَكَرَ أنَّ هاتينِ الجهتينِ حَدَثَتَا بعدَ تفسيرِ السلَفِ، الجهتانِ اللتانِ هما النوعُ الثاني مِن مُسْتَنَدَيِ الاختلافِ، الجِهةُ الأُولَى: قومٌ اعْتَقَدوا معانِيَ، ثم أَرَادُوا حَمْلَ ألفاظِ القرآنِ عليها، وذلك كالمبتَدِعَةِ الذين اعْتَقَدُوا معانيَ، يعني: كاعتقادِ هؤلاءِ المعتزِلَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت