فالحاصلُ أنَّ عندَ هؤلاءِ: أنَّ أفعالَ العبادِ لم يَخْلُقْها اللهُ، لا خيرَها ولا شَرَّها، فيَجعلونَ قُدرةَ العبدِ أقوى مِن قُدرةِ الربِّ تعالى، فيقولون: إنَّ اللهَ لم يُرِدْ إلا ما أَمَرَ به شَرْعًا، ما أرادَ إلا الطاعاتِ التي أَمَرَ بها، فهذه المعاصي ما أَرَادَها.
قد تَكَلَّمَ العلماءُ على الإرادةِ، وقَسَّمُوها إلى إرادةٍ دِينيَّةٍ شرعيَّةٍ، ولا يَلْزَمُ وقوعُ مرادِها؛ وإلى إرادةٍ كونيَّةٍ قَدَرِيَّةٍ يَلزَمُ وقوعُ مرادِها، فالدينيَّةُ الشرعيَّةُ محبوبةٌ له، وأما الإرادةُ الكونيَّةُ القدَرِيَّةُ فقد تكونُ محبوبةً كأعمالِ المسلمِ، وقد تكونُ مكروهةً كأعمالِ الكافرِ، ويقولون: ما سوى ذلك فإنه يكونُ بغيرِ مشيئتِه، ولا قُدرةَ له على هدايةٍ ولا على إضلالٍ. هذا عدلُهم.
يقولُ: وقد وافَقَهم على ذلك مُتَأَخِّرُو الشيعةِ الرافضةِ، ولا يَزالونَ على هذه العقيدةِ، حتى الذين في المملكةِ؛ على عقيدةِ المعتزِلَةِ، يعني: مشائِخَهم، في نفيِ الصفاتِ، وكذلك أيضًا الإباضيَّةُ على هذه العقيدةِ، التي هي نفيُ الصفاتِ، ونفيُ قدرةِ اللهِ تعالى على أفعالِ العِبادِ. مَثَّلَ مِن الشيعةِ: كالمفيدِ، وأبي جعفرٍ الطوسيِّ، وأمثالِهما مِن الشيعةِ، ولأبي جعفرٍ هذا تفسيرٌ على هذه الطريقةِ، تفسيرٌ له يُوافِقُ فيه المعتزِلةَ على نفيِ الصفاتِ، ويوافِقُهم أيضًا على نفيِ القدرةِ، يَصِفُونَ اللهَ تعالى بالعجْزِ، أنه عاجزٌ عن الهدايةِ، ثم ذَكَرَ أنَّ الطوسيَّ - وهو مِن كبارِ الروافضِ - يَضُمُّ إلى ذلك قولَ الإماميَّةِ الاثنَيْ عشريَّةِ، يعني: يَجْمَعُ الخطأينِ، أخطاءَ المعتزِلةِ؛ يَأخذُها فيَعْتَمِدُها في نفيِ الصفاتِ وفي نفيِ القُدرةِ، وكذلك أخطاءَ الروافضِ في تأويلِ الآياتِ على ما يَعتقدونَه، كما سيأتي. المعتزِلةُ ليس فيهم مَن يقولُ بقولِ الإماميَّةِ، ولا مَن يُنكِرُ خِلافةَ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، بخِلافِ الرافضةِ.
فالأصلُ الثالثُ عندَ المعتزِلةِ: المنزِلةُ بينَ المنزلتينِ، يقولونَ: إنَّ العصاةَ في الدنيا ليسوا كُفَّارًا وليسوا مسلمينَ، بل بينَهما، فلا يَجعلونَهم كُفَّارًا يُقاتَلونَ، ولا يَجعلونهم مؤمنينَ يُوَالَوْنَ، بل يَجعلونهم خارجينَ مِن الإيمانِ، غيرَ داخلينَ في الكفْرِ، وهذه لم يَقُلْها أحَدٌ قَبْلَهم.
الأصلُ الرابعُ عندَ المعتزِلةِ: إنفاذُ الوعيدِ في الآخرةِ، وقد وافَقَتْهُم الخوارجُ، وذلك أنهم يَعتقدون: أنَّ الآياتِ التي في وعيدِ العصاةِ، وكذلك الأحاديثُ نافذةٌ، فيقولونَ بتَخليدِ أهلِ المعاصي في النارِ، وأنَّ اللهَ لا يَقبلُ في أهلِ الكبائرِ شفاعةً، فمَن ماتَ عندَهم مِن أهلِ الربا، ومِن أهلِ الزنا، ومِن أهلِ الخمرِ؛ فإنه مُخَلَّدٌ في النارِ، لا تَنفعُه الشفاعةُ، فيَستدلون بقولِه تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} ، فيقولونَ: إذا دَخَلَ النارَ فهو مِمَّنْ أخزاهُ اللهُ، فكيفَ مع ذلك يُشَفَّعُ فيه؟ وكيف مع ذلك يُرفَعُ، وما عَلِمُوا أنَّ هذه الآيةَ في الكُفَّارِ.
ولا ريبَ أنه قد رَدَّ عليهم طوائفُ، ردَّ عليهم هذا الاعتقادَ كثيرٌ مِن الْمُرْجِئَةِ؛ لأنهم مع الْمُرْجِئَةِ في طَرَفَيْ نقيضٍ؛ المرجئةُ يُغَلِّبُونَ جانبَ الرجاءِ، فيُرَخِّصُونَ للعصاةِ في المعاصي، وهؤلاءِ ويُسَمَّوْنَ: الوعيديَّةَ، المعتزِلةَ والخوارجَ يُسَمَّوْنَ الوعيديَّةَ، الذين يقولون: إنَّ أحاديثَ الوعيدِ نافذةٌ، وإنَّ كلَّ مَن ماتَ وهو على معصيةٍ فإنه مُخَلَّدٌ في النارِ، فيكونون في طَرَفَيْ نقيضٍ، وأهلُ السنَّةِ مُتوسِّطُونَ.
الكَرَّاميَّةُ: أتباعُ محمدِ بنِ كَرَّامٍ، ويَغْلِبُ عليهم الإثباتُ، ولهم أقوالٌ أيضًا شاذَّةٌ في الإيمانِ وغيرِه. الكُلاَّبيَّةُ: أتباعُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدِ بنِ كُلاَّبٍ، والذي نَهَجَ مَنهجَه أبو الحسنِ الأشعريُّ، والذي على مَذهبِه الآن طائفةُ الأشاعرةِ؛ فإنهم في الحقيقةِ كُلاَّبيَّةٌ؛ لا أشاعرةٌ؛ لأنَّ الأشعريَّ رَحِمَه اللهُ قد رَجَعَ عما كان عليه هذا الكلاَّبِيُّ.