الصفحة 42 من 89

ورَجَّحَ ذلكَ أيضًا ابنُ حَجَرٍ في شَرْحِهِ للنُّخْبَةِ، وكَتَبْنَا فيهِ أيضًا كتابَنا المطبوعَ: (أخبارُ الآحادِ) ، ونَقَلْنَا فيهِ الأقوالَ الصحيحةَ التي تَدُلُّ على أنَّهُ يُوجِبُ العلْمَ، وهذا هوَ الذي ذَكَرَهُ المصَنِّفُونَ في أصولِ الفقهِ، يعني: الْمُحَقِّقُونَ، ومِنْ أَقْدَمِهم ابنُ الصَّلاحِ؛ فإنَّهُ جَزَمَ بأنَّهُ يُفيدُ العلْمَ، ومعَ الأسَفِ خالَفَهُ كثيرٌ، مِثْلُ النَّوَوِيِّ عفا اللَّهُ عنهُ، رَجَّحَ أنَّهُ يُفيدُ الظنَّ في كتابِهِ (التقريبُ) ، وَتَبِعَهُ على ذلكَ شارحُهُ السيوطيُّ، تقريبُ النوويِّ شَرَحَهُ السيوطيُّ، وسَمَّاهُ: (تدريبُ الرَّاوِي في شرْحِ تقريبِ النَّوَاوِيِّ) تَوَسَّعَ في أصولِ الحديثِ. ومِن الذينَ أيضًا جَعَلُوهُ لا يُفيدُ العلْمَ: الصنعانيُّ في التوضيحِ؛ فإنَّهُ أيضًا خَطَّأَ مَنْ قَبْلَهُ، ولكلِّ جَوادٍ كَبْوَةٌ.

يقولُ:"هذا الذي ذَكَرَهُ الْمُنْصِفونَ في أصولِ الفقهِ، مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ"يعني: الْمُنْصِفونَ الذينَ قالُوا بالحقِّ؛ لأنَّهُم اتَّفَقُوا على العملِ بهِ لَمَّا رَأَوا الصحابةَ والتابعينَ يَعملونَ بهِ، فقالوا: نَعملُ بهِ، فقُلْنَا لهم: كيفَ تَعملونَ بهِ وهوَ ظَنِّيٌّ؟ الظنُّ أَكذَبُ الحديثِ، فقالوا: يُوجِبُ العملَ ولا يُوجِبُ العلمَ، فقُلْنَا: هذا تَناقُضٌ؛ لأنَّ الظنَّ لا يُوجِبُ العلْمَ، ولا يُوجِبُ العملَ؛ لأنَّ اللَّهَ عابَ المشركينَ بقولِهِ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} ، إلاَّ فِرْقَةً قليلةً مِن المُتَأَخِّرينَ اتَّبَعُوا في ذلكَ طائفةً مِنْ أهلِ الكلامِ، أَنْكَرُوا ذلكَ، أَنْكَرُوا أنَّهُ يُفيدُ العلْمَ، ولكنَّ كثيرًا مِنْ أهلِ الكلامِ؛ أوْ أكثرَهم يُوافِقُونَ الفقهاءَ، يعني: على أنَّهُ يُفيدُ العلْمَ، ولا يُفيدُ الظنَّ.

أهلُ الحديثِ والسلَفِ على ذلكَ، على أنَّهُ يُفيدُ العلْمَ، وهذا قولُ أكثرِ الأشاعرةِ؛ أنَّهُ يُفيدُ العلمَ، كَأَبِي إسحاقَ، وابنِ فُورَكٍ، وابنِ البَاقْلانيِّ. هؤلاءِ مِن المُتَكَلِّمينَ مِن الأشاعرةِ، وأَشْهَرُهم: ابنُ الباقلانيِّ، الذي يُقَالُ لهُ: أبو بكرٍ، فهوَ الذي أَنْكَرَ ذلكَ، يعني: أَنْكَرَ إفادتَهُ للعلْمِ، وتَبِعَهُ على ذلكَ كثيرٌ مِنْ مُتَأَخِّريهِمْ، تَبِعَهُ أبو المَعَالِي، صاحبُ (الإرشادِ) ، ويُعرَفُ بالجُوَيْنِيِّ، وهوَ إمامُ الحرَمَيْنِ، وأبو حامدٍ، معَ شُهْرَتِهِ. أبو حامدٍ الغزاليُّ: صاحبُ (الْمُسْتَصْفَى) ، وصاحبُ (الإحياءِ) . وابنُ عَقيلٍ؛ معَ أنَّهُ حَنْبَلِيٌّ، أبو الوفاءِ ابنُ عَقيلٍ، تلميذُ أبي يَعْلَى. وابنُ الْجَوْزِيِّ؛ معَ أنَّهُ أيضًا حنبليٌّ، ولهُ مؤلَّفاتٌ كثيرةٌ، ولكنْ: لكلِّ جَوَادٍ كَبوةٌ، وابنُ الخطيبِ، وهوَ صاحبُ (التفسيرِ الكبيرِ) ، يُعرَفُ ابنُ الخطيبِ باسمِ الرازيِّ، وهوَ أَشهَرُ، والآمديُّ، صاحبُ (الإحكامُ في أصولِ الفقهِ) ، ونحوُ هؤلاءِ. والأولُ -أنَّهُ يُفيدُ العلْمَ- هوَ الذي ذَكَرَهُ الشيخُ أبو حامدٍ، يُرادُ بأبي حامدٍ هذا غيرُ أبي حامدٍ الغزاليِّ، هذا أبو حامدٍ الإسفرائينيُّ، وأبو الطيِّبِ بنُ الطَّبَرِيِّ، وأبو إسحاقَ بنُ الباقلانيِّ. أبو إسحاقَ وأمثالُهُ مِنْ أئمَّةِ الشافعيَّةِ، وهوَ الذي ذَكَرَهُ القاضي عبدُ الوَهَّابِ وأمثالُهُ مِن المالكيَّةِ، يعني: أنَّهُ يُفيدُ العلْمَ، وذَكَرَهُ أبو يَعْلَى. أبو يعلى هوَ إمامُ الحنابلةِ، ابنُ الفَراءِ، وأبو الخطابِ هوَ تلميذُ أبي يَعْلَى، وهوَ الكلوذَانِيُّ، وأبو الحسَنِ ابنُ الزاغُونِيِّ، وأمثالُهم مِن الحنابلةِ، وهوَ الذي ذَكَرَهُ شمسُ الدين السَّرَخْسِيُّ وأمثالُهُ مِن الحنفيَّةِ. السرخسيُّ هوَ صاحبُ الكتابِ المشهورِ: (المبسوطُ) في علْمِ الحنفيَّةِ، في فقهِ الأحنافِ.

وإذا كانَ الإجماعُ على تصديقِ الخبرِ مُوجِبًا للقطْعِ بهِ؛ فالاعتبارُ في ذلكَ لإجماعِ أهلِ العلْمِ بالحديثِ، إذا أجمَعَ أهلُ العلْمِ بالحديثِ، فإنَّ ذلكَ دليلٌ على ثبوتِهِ، كما أنَّ الاعتبارَ في الإجماعِ على الأحكامِ بإجماعِ أهلِ العلْمِ بالأمرِ والنهيِ والإباحةِ، يعني: كالفقهاءِ الأربعةِ؛ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، فإجماعُ أهلِ الحديثِ على الحكْمِ بالصحَّةِ -كأهلِ الصحيحَيْنِ، وأهلِ السُّنَنِ ونحوِهم- يَقْطَعُ بصِحَّةِ الحديثِ. وإجماعُ الفقهاءِ الأربعةِ على الحكْمِ يَقْطَعُ بصِحَّةِ الحكْمِ.

والمقصودُ هنا: أنَّ تَعَدُّدَ الطرُقِ -معَ عَدَمِ التشَعُّرِ أو الاتِّفاقِ في العادةِ- يُوجِبُ العلْمَ، يُوجِبُ العلْمَ بمضمونِ المنقولِ. إذا تَعَدَّدَت الطرُقُ -معَ عَدَمِ التشَعُّرِ والاجتماعِ والاتِّفاقِ- يُوجِبُ العلْمَ بمضمونِ المنقولِ، لكنْ هذا يُنتفَعُ بهِ كثيرًا في عِلْمِ أحوالِ الناقلينَ، يَذكرونَ ذلكَ في تعريفِ المتواتِرِ، ويقولونَ: إنَّهُ ما رواهُ عددٌ كثيرٌ تُحيلُ العادةُ تواطُؤَهُم على الكَذِبِ عنْ مِثْلِهم إلى مُنتهاهُ، وكانَ مُستنَدُ خَبَرِهم الْحِسَّ، فهذا عددٌ كثيرٌ تُحيلُ العادةُ تَواطُؤَهم على الكَذِبِ.

فنحنُ نَقولُ: إذا كانَ اثنانِ متباعِدَيْنِ في البلادِ، ورَوَى كلٌّ منهما قِصَّةً عنْ صحابيٍّ، عَلِمْنا بذلكَ عَدَمَ تَواطُئِهِم، وعدَمَ اجتماعِهم، وعدَمَ أَخْذِ هذا عنْ هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت