الصفحة 41 من 89

والمقصودُ أنَّ الحديثَ الطويلَ إذا رُوِيَ مَثَلًا مِنْ وَجهَيْنِ مُختلِفَيْنِ مِنْ غيرِ مُواطأةٍ؛ امْتَنَعَ أنْ يكونَ غَلَطًا، إذا رُوِيَ مِنْ طريقٍ كلُّهُم مِصريُّونَ، ومِنْ طريقٍ كلُّهم خُراسانِيُّونَ، والحديثُ واحدٌ بألفاظِهِ؛ عُلِمَ أنَّهُما لمْ يَتَوَاطَآ على كَذِبِهِ، امْتَنَعَ أنْ يكونَ غَلَطًا، كما امْتَنَعَ أنْ يكونَ كَذِبًا؛ فإنَّ الغَلَطَ لا يكونُ في قِصَّةٍ طويلةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، لا يُمْكِنُ أنْ تكونَ هذهِ القِصَّةُ التي رُوِيَتْ معَ تَباعُدِ الجهتيْنِ أنْ تكونَ غَلَطًا، قدْ يكونُ الغلَطُ في فَرْدٍ مِنْ أفرادِها، أوْ كلمةٍ مِنْ كلماتِها، فإذا رَوَى هذا قِصَّةً طويلةً مُتَنَوِّعَةً، ورَواها الآخَرُ مثلَ ما رَوَاها الأولُ، وعُلِمَ أنَّهُما لمْ يكُونا مُتواطئَيْنِ، امْتَنَعَ الغلَطُ في جَمِيعِها، يعني: في جُمْلَتِها، كما امْتَنَعَ الكَذِبُ في جميعِها مِنْ غيرِ مُواطأةٍ.

أمَّا إذا خِيفَ أنَّهُما مُتواطئانِ؛ فإنَّهُ لا يُقْبَلُ. ومِنْ أمثلةِ ما يكونُ فيهِ التواطؤُ أو السرقةُ: حديثُ صلاةِ التسبيحِ، صَحَّحَهُ بعضُ المتأخِّرِينَ لطُرُقِهِ، ولكنْ يَظهَرُ أنَّ هذهِ الطُّرُقَ بعضُها مأخوذٌ عنْ بعضٍ، وأنَّ بعضَهم سَرَقَهُ عن الآخَرِ، ولهذا ما رواهُ الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ، معَ استيفائِهِ للأحاديثِ، ولا عَمِلَ بهِ أَحَدٌ مِن الأئمَّةِ الأربعةِ، فيَدُلُّ على أنَّ المتأخِّرِينَ سَرَقَهُ بعضُهم عنْ بعضٍ. ولهذا إنَّما يَقَعُ في مِثْلِ ذلكَ غَلَطٌ في بعضِ ما جرى في القِصَّةِ، يعني: يكونُ الغلَطُ في أثناءِ القِصَّةِ، مثلُ حديثِ شراءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ البعيرَ مِنْ جابرٍ؛ فإنَّ مَنْ تأمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعًا أنَّ الحديثَ صحيحٌ، وأنَّ الواقعةَ صحيحةٌ، ولكنْ وَقَعَ اختلافٌ في مِقدارِ الثمَنِ، ووَقَعَ اختلافٌ: هلْ جابرٌ اسْتَثْنَى حِملانَهُ، أو اشتَرَطَهُ؟ هلْ هوَ شَرْطٌ، أو استثناءٌ؟ وذلكَ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الحديثِ، اختلَفُوا في مِقدارِ الثمَنِ.

اختارَ البخاريُّ في صحيحِهِ: مِقدارَ الثمَنِ مِن الأحاديثِ. وجمهورُ ما في البخاريِّ ومسلمٍ ممَّا يَقْطَعُ بأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَهُ.

إذا اتَّفَقَ البخاريُّ ومسلمٌ على حديثٍ بلفظِهِ، عُرِفَ بذلكَ ثبوتُهُ وقطْعِيَّتُهُ؛ لأنَّ غَالِبَهُ مِنْ هذا النحوِ، يعني: ممَّا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتعدِّدَةٍ، ولأنَّ بينَهما أيضًا تبايُنًا، وإنْ كانَ مسلِمٌ قدْ رَوَى عن البخاريِّ، ولأنَّهُ قدْ تَلَقَّاهُما أهلُ العلْمِ بالقَبولِ والتصديقِ. تَلَقَّوا الصحيحَيْنِ، والأُمَّةُ لا تَجتمِعُ على خَطأٍ، فلوْ كانَ الحديثُ كَذِبًا في نفْسِ الأمرِ وصَدَّقَتْهُ الأمَّةُ؛ لكانوا أَجْمَعُوا على تصديقِ ما هوَ في نَفْسِ الأمرِ كَذِبٌ، وهذا إجماعٌ على الخطأِ، وهوَ مُمْتَنِعٌ: (( لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ ) ).

وإنْ كُنَّا نحنُ بدونِ الإجماعِ نُجَوِّزُ الخطأَ أو الكَذِبَ على الواحدِ على الخبَرِ، يعني: نُجَوِّزُ أنَّ الواحدَ يَقَعُ في غَلَطٍ، في خطأٍ، في كلمةٍ أوْ نحْوِها، كَتَجْوِيزِنا -قبلَ أنْ نَعلَمَ الإجماعَ على العِلْمِ الذي ثَبَتَ بظاهِرٍ أوْ قياسٍ ظَنِّيٍّ- أنْ يكونَ الحقُّ في الباطنِ بخِلافِ ما اعتَقَدْنَاهُ، يعني: قبلَ أنْ نَعلمَ الإجماعَ على العلْمِ الذي ثَبَتَ بظاهِرٍ أوْ قِياسٍ؛ يَجوزُ أنْ يكونَ الحقُّ في الباطنِ بخِلافِ ما اعْتَقَدْنَاهُ، فإذا أَجْمَعُوا على الحكْمِ؛ جَزَمْنَا بأنَّ الحكْمَ ثابتٌ باطنًا وظاهرًا، مُعْتَمَدُنا هوَ الإجماعُ، فإجماعُ الأمَّةِ على تَلَقِّي الكتابَيْنِ: البخاريِّ ومسلمٍ بالقَبولِ، دليلٌ على ثُبوتِ ما فيهما، إلاَّ ما اسْتُثْنِيَ؛ ولهذا كانَ جمهورُ أهلِ العلْمِ مِنْ جميعِ الطوائفِ على أنَّ خَبرَ الواحدِ إذا تَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبولِ تَصديقًا لهُ أوْ عَمَلًا بهِ، أنَّهُ يُوجِبُ العِلْمَ.

وهذا فيهِ خِلافٌ، فمِنهم مَنْ قالَ: إنَّهُ يُوجِبُ العلْمَ القطعِيَّ، وهذا هوَ الصحيحُ، ومنهم مَنْ قالَ: إنَّهُ يُوجِبُ العلْمَ بالقرائنِ إذا احْتَفَّتْ بهِ. ومنهم مَنْ قالَ: يُوجِبُ العلْمَ الظَّنِّيَّ، ومنهم مَنْ قالَ: يُوجِبُ العملَ ولا يُوجِبُ العلْمَ، وأكثرُ المُتَكَلِّمينَ على أنَّهُ يُوجِبُ الظَّنَّ، ولأجلِ ذلكَ رَدُّوا أحاديثَ الصِّفَاتِ، وقالوا: إنَّها أحاديثُ آحادٍ، وإنَّها لا تُفيدُ إلاَّ الظنَّ، وإنَّ الظنَّ أَكذَبُ الحديثِ، وإنَّ الصفاتِ لا بُدَّ أنْ يُعْتَمَدَ فيها على اليقينِ، فَصَارُوا يَرُدُّونَهَا، ولأجْلِ ذلكَ تَصَدَّى للرَّدِّ عليهم ابنُ القَيِّمِ، ولعَلَّكُم قَرَأْتُمْ كلامَهُ في كتابِهِ الذي سَمَّاهُ: (الصواعقُ المُرْسَلَةُ على الْجَهميَّةِ والْمُعَطِّلَةِ) ؛ فإنَّهُ كَسَرَ طَوَاغِيتَهم التي يَدَّعُونَ بها رَدَّ الأحاديثِ. فمنها قولُهم: إنَّ هذا خَبَرُ واحدٍ، وخبرُ الواحدِ لا يُفيدُ إلاَّ الظنَّ. فالصحيحُ أنَّهُ يُفيدُ العلْمَ اليقينيَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت