الصفحة 43 من 89

يقولُ:"وفي مِثْلِ هذا يُنتفَعُ بروايَةِ المجهولِ، وسَيِّئِ الْحِفْظِ، وبالحديثِ الْمُرْسَلِ"، يعني: أنَّهُ يُرَجَّحُ بها، فيقالُ: هذا الحديثُ رُوِيَ مِنْ طريقٍ، ولكنْ تَأَيَّدَ بطريقٍ أُخْرَى؛ ولوْ كانَ فيها مجهولٌ، ومِنْ طريقٍ أخرى؛ ولوْ كانَ فيها راوٍ سَيِّئُ الْحِفْظِ، وبطريقٍ ثالثةٍ؛ ولوْ كانَ فيها مُرْسَلٌ؛ فإنَّ هذهِ يُقَوِّي بعضُها بعضًا. تَجِدُونَ في كُتُبِ الحديثِ أنَّهُم يقولونَ: ولهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ يُقَوِّي بعضُها بَعْضًا، أوْ يَدُلُّ على أنَّ بعضَها لهُ أَصْلٌ.

يقولُ:"ولهذا كانَ أهلُ العلْمِ يَكتبونَ مثلَ هذهِ الأحاديثِ، ويقولونَ: إنَّ هذا يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيرِهِ". إذا قَرَأْتَ مَثلًا في كُتُبِ السُّنَنِ وَجَدْتَهُمْ يَكتبونَ أحاديثَ فيها ضَعْفٌ، في أسانيدِها انقطاعٌ، أوْ إرسالٌ، أوْ رَاوٍ ضَعيفٌ، لماذا؟ حتَّى يَتَقَوَّى بهِ الطريقُ الثاني؛ الذي رُوِيَ مِنْ طريقٍ أُخْرَى غيرِ هذهِ الطريقِ. فيكونُ مُرْسَلانِ يُقَوِّي بعضُهما بَعْضًا، أوْ ضعيفانِ يُقَوِّي بعضُهما بَعْضًا، فعُلِمَ أنَّ هذا الضعيفَ ما روى عنْ هذا الضعيفِ.

يقولُ:"قالَ أحمدُ: قدْ أَكْتُبُ حديثَ الرجُلِ لأَعْتِبَرَهُ. ومَثَّلَ لهذا بعبدِ اللَّهِ بنِ لَهيعةَ قاضي مِصْرَ"يعني: يَكتبُ الإمامُ أحمدُ أحاديثَهُ للاعتبارِ. الاعتبارُ: هوَ الاستدلالُ بذلكَ على صِحَّةِ الحديثِ، يقولُ: عبدُ اللَّهِ بنُ لهيعةَ قاضي مصرَ كانَ مِنْ أكثرِ الناسِ حَديثًا، ومِنْ خِيارِ الناسِ، وروى عنهُ كثيرٌ مِن العلماءِ أحاديثَ صحيحةً، ولكن احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، فوَقَعَ في حديثِهِ المُتَأَخِّرِ غَلَطٌ، فالذينَ رَوَوْا عنهُ أحاديثَ قبلَ أنْ يَخْتَلِطَ يُحْتَجُّ بهم، والذينَ رَوَوْا عنهُ أحاديثَ تَفَرَّدَ بها بعدَما احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ يُتَوَقَّفُ فيهم، إلاَّ إذا رُوِيَتْ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، يُعْتَبَرُ بذلكَ، ويُستشهَدُ بهِ، ويَتَقَوَّى بهِ حديثُ غيرِهِ. وكثيرًا ما يَقترِنُ هوَ والليثُ بنُ سعدٍ. الليثُ بنُ سعدٍ الفهميُّ: عالمُ مصرَ، كانَ يُسَوَّى بمالكِ بنِ أنسٍ بالمدينةِ، يعني: في زَمانِهِ. كانَ مالكٌ في المدينةِ، والأوزاعيُّ في الشامِ، والليثُ في مصرَ، والثوريُّ في العراقِ؛ أئمةَ الدُّنيا في هذا الزمانِ. فالليثُ وابنُ لهيعةَ كِلاهُما في مصرَ، فإذا اتَّفَقَ أنَّ حديثَ ابنِ لَهيعةَ مِثْلُ حديثِ الليثِ، عُرِفَ بذلكَ أنَّ الليثَ قدْ حَفِظَ، وأنَّ ابنَ لهيعةَ قدْ حَفِظَ.

يقولُ:"كما أنَّهُم يَسْتَشْهِدونَ ويَعْتَبِرونَ بحديثِ الذي فيهِ سُوءُ حِفْظٍ؛ فإنَّهُم أيضًا يُضَعِّفونَ مِنْ حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تَبَيَّنَ لهم أنَّهُ غَلِطَ فيها في أُمُورٍ يَستَدِلُّونَ بها"، يعني: يَقْبَلُونَ أحاديثَ الضُّعفاءِ؛ لأنَّها تَتَقَوَّى بأحاديثَ أُخْرَى، ويَرُدُّون كلماتٍ مِنْ أحاديثِ الثقاتِ، وَيَعتقدونَ أنَّها خَطَأٌ منْ ذلكَ الثقةِ؛ فإنَّ الثقةَ قدْ يَغْلَطُ، يُضَعِّفُونَ كثيرًا مِنْ أحاديثِ الثقاتِ الصدوقينَ الضابطينَ، يَتَبَيَّنُ لهم أنَّها غَلَطٌ، كيفَ يَسْتَدِلُّونَ بها؟ يَستدِلُّونَ على الغلَطِ بتَتَبُّعِ طُرُقِ الأحاديثِ، ويُسَمُّونَ هذا: عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ، وهوَ مِنْ أشرَفِ علومِهم، بحيثُ يكونُ الحديثُ قدْ رَواهُ ثِقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيهِ، وغَلَطُهُ فيهِ عُرِفَ، إمَّا بسببٍ ظاهرٍ، وإمَّا بسببٍ خَفِيٍّ.

عِلَلُ الحديثِ: فنٌّ مَشهورٌ، قدْ أَلَّفَ فيهِ ابنُ المدينيِّ رسالةً صغيرةً اسْمُها: (عِلَلُ الحديثِ) ، وأَلَّفَ فيهِ أيضًا الإمامُ أحمدُ كِتابًا مَطبوعًا اسْمُهُ: (عِلَلُ الحديثِ) ، وتَوَسَّعَ فيهِ ابنُ أبي حاتمٍ، وأَلَّفَ فيهِ كتابَهُ الذي في مُجَلَّدَيْنِ، فيهِ أكثرُ مِنْ نحوِ ثلاثةِ آلافِ حديثٍ، كلُّ حديثٍ يقولُ: فيهِ عِلَّةٌ، عِلَّتُهُ كذا وكذا، حتَّى أحاديثَ مشهورةٍ يقولُ: غَلِطَ فيها فُلانٌ، مثلُ حديثِ: (كَانَ آخِرُ الأمْرَيْنِ تَرْكَ الوضوءِ ممَّا مَسَّتِ النارُ) . مشهورٌ هذا الحديثُ، ومعَ ذلكَ رَجَّحَ أنَّ فيهِ عِلَّةً، وأنَّهُ تَفَرَّدَ بهِ هذا الراوي، وأنَّهُ أَخَذَهُ مِن الحديثِ الذي فيهِ: أنَّهُ رأى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شاةٍ، فنُودِيَ بالصلاةِ، فأَلْقَى السكِّينَ وقامَ ولمْ يَتَوَضَّأْ. فأَخَذَ مِنْ هذا الحديثِ حديثًا آخَرَ: (كانَ آخِرُ الأمْرَيْنِ تَرْكَ الوضوءِ ممَّا مَسَّت النارُ) . وأحاديثُ كثيرةٌ بَيَّنَ فيها غَلَطَ بعضِ الرواةِ.

وتَوَسَّعَ في ذلك أيضًا: الدارقطنيُّ في كتابِه المطبوعِ الذي اسْتَوْفَى فيه ما يَتعلَّقُ بطرُقِ الحديثِ، وبالأحاديثِ التي فيها عِلَلٌ، وذَكَرُوا أنه أَملاهُ إملاءً، ولم يَكْتُبْهُ، وإنما أَمْلاهُ مِن ذاكِرَتِه، وكان حافظًا. يكونُ الحديثُ قد رواه ثِقةٌ ضابطٌ وغَلِطَ فيه؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت