الراعيَةُ، ومنهُ قولُ اللَّهِ تعالى: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} ، والسائمةُ هيَ الرَّاعِيَةُ، وفُسِّرَت المُسَوَّمَةُ بأنَّها المُعَلَّمَةُ المُحَسَّنَةُ مِن السِّيمَا، وفَسَّرَها بعضُهم بأنَّها الْمُعَدَّةُ للقِتالِ، فجَمَعَ ابنُ جَريرٍ بينَ التفسيرَيْنِ، ورَدَّ القَوْلَ الثالثَ الذي فَسَّرَها بأنَّها الْمُعَدَّةُ للقِتالِ.
كذلكَ أيضًا فُسِّرَ القِنطارُ في قولِهِ تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} بتفاسيرَ مُتَبَايِنَةٍ. فَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّهُ ثَمانونَ ألفًا، وفَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّهُ مِلءُ مَسْكِ ثورٍ ذَهَبًا، وفَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّهُ عِشرونَ أَلْفًا، ولا يُمْكِنُ الجمْعُ بينَها، فجَمَعَ بينَهما ابنُ جريرٍ بأنَّ المُرَادَ بالقِنطارِ المالُ الكثيرُ مِنْ غيرِ أنْ يُحَدَّدَ بِحَدٍّ.
كذلكَ أيضًا يَكْثُرُ تَفْسِيرُ بعضِ الكلماتِ العربيَّةِ التي كانتْ في الجاهليَّةِ، فيَختلِفُونَ في تفسيرِها، مِثْلُ تفسيرِهم لقولِهِ تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} ، ذَكَرُوا فيها عِدَّةَ أَقْوَالٍ، ولكنْ حيثُ إنَّها مِن الأمورِ الجاهليَّةِ لمْ يُحْتَجْ إلى تَرْجِيحِ بَعْضِها على بعضٍ. وأَشْبَاهُ ذلكَ.
يقولُ: ونحنُ نَعلمُ أنَّ عامَّةَ ما يَضْطَرُّ إليهِ عُمُومُ الناسِ مِن الاختلافِ مَعْلُومٌ، بلْ مُتَوَاتِرٌ عندَ العامَّةِ أو الخاصَّةِ، ما يَضْطَرُّ إليهِ الناسُ مِن الأمورِ؛ فإنَّها تكونُ معلومةً عندَ العامَّةِ والخاصَّةِ. الأُمُورُ الضروريَّةُ -ولوْ كانَ فيها اختلافٌ- يَتناقَلُها المسلمونَ كما في عددِ الصلواتِ ومَقاديرِ رُكُوعِها ومَوَاقِيتِها، وفرائضِ الزكاةِ ونُصُبِها، وتَعْيِينِ شهْرِ رَمَضَانَ، والطَّوَافِ والوُقُوفِ، ورَمْيِ الْجِمَارِ والمواقيتِ وغيرِ ذلكَ، هذهِ يَضْطَرُّ عُمُومُ الناسِ إليها، وإذا كانَ فيها شيءٌ مِن الاختلافِ فإنَّهُ مِنْ بابِ التَّوْسِعَةِ.
ذَكَروا أنَّ الإمامَ أحمدَ جاءَهُ رَجُلٌ بكتابٍ كَتَبَ فيهِ اختلافَ العلماءِ في الأحكامِ، وسَمَّاهُ (الاختلافَ) ، فقالَ لهُ أَحْمَدُ: لا تُسَمِّهِ الاختلافَ، سَمِّهِ: (السَّعَةَ) يعني: التَّوْسِعَةَ؛ لأنَّ في هذا الاختلافِ تَوْسِعَةً على الأُمَّةِ. هناكَ مَثَلًا اختلافٌ في عَدَدِ ركعاتِ قيامِ اللَّيْلِ، واختلافٌ في عَدَدِ ركعاتِ صلاةِ الضُّحَى، وكذلكَ اختلافٌ في مِقدارِ الركوعِ والسجودِ والقيامِ والقُعودِ طويلًا أوْ كثيرًا، واختلافٌ أيضًا في مَواقيتِ بعضِ الصلواتِ تَقديمًا أوْ تَأخيرًا، واختلافٌ في الزَّكَوَاتِ؛ فرائضِها ونُصُبِها، هذا اختلافٌ بينَ الفقهاءِ، وكذلكَ تَعيينُ شهرِ رمضانَ، فيهِ اختلافٌ في دُخُولِهِ وخُروجِهِ، واختلافٌ في الطوافِ. الطَّوَافِ بالبيتِ يعني: مِنْ أينَ يُبْتَدَأُ؟ والاختلافُ في بعضِ شُروطِهِ، واختلافٌ في الوُقُوفِ بعَرفةَ، واختلافٌ في رَمْيِ الْجِمَارِ، واختلافٌ في مَواقيتِ الْحَجِّ.
هذهِ الاختلافاتُ مِن اختلافِ الفقهاءِ، الذي هوَ مِنْ بابِ التوسعةِ؛ واختلافُ الصحابةِ في الجَدِّ والإخوةِ والمُشَرَّكَةِ، هل الْجَدُّ يُسْقِطُ الإخوةَ أمْ لا؟ ذَهَبَ الجمهورُ إلى أنَّهُم يُقَاسِمُونَهُ، واختارَ الشيخُ المؤلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ يُسْقِطُهُمْ، كذلكَ اختلافُهم في الْمُشَرَّكَةِ. المسألةُ المُشَرَّكَةُ المعروفةُ في الفرائضِ، هل الإخوةُ لأمٍّ يَشترِكُ معَ الأشِقَّاءِ أمْ لا؟
ويقولُ: لا يُوجِبُ رَيْبًا في جُمهورِ مَسائلِ الفرائضِ. يعني: هذا الاختلافُ لا يُوجِبُ شَكًّا بلْ ما يَحتاجُ إليهِ عامَّةُ الناسِ، هوَ عَمودُ النَّسَبِ، يعني: الآباءَ والأبناءَ، هذا معروفٌ أنَّهُ يَرِثُ. ذَكَرَ اللَّهُ تعالى في الآيَةِ الأُولَى الآباءَ والأبناءَ، والكَلالةُ: الإِخوةُ والأخواتُ، وكذلكَ نساءُ المُتَوَفَّيْنَ كالأزواجِ. اللَّهُ تعالى أَنْزَلَ في الفرائضِ ثلاثَ آياتٍ مُفَصَّلَةٍ، ففي الأُولى: الأُصُولُ والفُرُوعُ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} ، ثمَّ قالَ: {وَلأَبَوْيِهِ} هؤلاءِ الأصولُ والفروعُ. وذَكَرَ في الثانيَةِ الحاشيَةَ التي تَرِثُ بالْفَرْضِ، كالزَّوْجَيْنِ ووَلَدِ الأمِّ، وذَكَرَ في الثالثةِ الحاشيَةَ التي تَرِثُ بالتعصيبِ، وهم الإخوةُ لأبوَيْنِ أو الإخوةُ لأبٍ، واجتماعُ الْجَدِّ والإخوةِ نَادِرٌ؛ فلهذا ما ذُكِرَ في هذهِ الآياتِ، ولهذا لمْ يَقَعْ في الإسلامِ إلاَّ بعدَ موتِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ.
ووَقَعَ لعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُ كانَ لهُ وَلَدٌ تُوُفِّيَ عنْ أولادٍ، ثمَّ تُوُفِّيَ أَحَدُ أولادِ وَلَدِهِ وعمرُ حَيٌّ، فعندَ ذلكَ عَزَمَ على أنْ يُوَرِّثَ وَلَدَ وَلَدِهِ، وأَلاَّ يُسْقِطَهُمْ، يعني: إخوةَ الْمَيِّتِ، واختارَ هذا، واختارَهُ أيضًا زَيْدٌ، الذي هوَ زيدٌ الفَرَضِيُّ زيدُ بنُ ثابتٍ، وأمَّا ابنُ عبَّاسٍ فاختارَ أنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُهُمْ.
يقولُ: الاختلافُ قدْ يكونُ لِخَفَاءِ الدليلِ أوْ لذُهُولٍ عنهُ. يعني: غَفلةٍ عن الدليلِ، فيُفْتِي بقولٍ فيهِ خَفاءُ دليلٍ أوْ نُسِيَ الدَّلِيلُ، وحَمَلُوا على ذلكَ المسائلَ التي اخْتَلَفَتْ فيها فَتْوَى الإمامِ أحمدَ، تارةً يُفْتِي بكذا وتارةً يُفْتِي بكذا، فلَعَلَّ ذلكَ لِخَفاءِ الدليلِ