فُسِّرَ بأنَّهُ نَجَّيْنَاهُ وَخَلَّصْنَاهُ، فهوَ فِعْلٌ يَتَضَمَّنُ معنى فِعْلٍ آخَرَ، وكذلكَ قولُهُ: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ، كيفَ قالَ: {يَشْرَبُ بِهَا} ؟ العادةُ أنَّهُم يَجعلونَ الباءَ على الإناءِ مَثَلًا، أوْ على الآلةِ كقولِهِ: ضَرَبَهُ بالعصا، أوْ: ضَرَبَهُ بالْحَجَرِ، وأمَّا شَرِبَ بها فإنَّ هذا غيرُ مُسْتَعْمَلٍ، ولكنْ قالُوا: إنَّ معناهُ ضُمِّنَ فِعْلًا آخَرَ، تَقْدِيرُهُ يُرْوَى، يُرْوَى بها {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا} يُرْوَى بها.
ونظائرُهُ كثيرةٌ. ومَنْ قالَ: {لا رَيْبَ} في قولِهِ تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ} لا شَكَّ فيهِ، الريبُ: هوَ الشكُّ، فهذا تقريبٌ، يقولُ: فالرَّيْبُ فيهِ اضطرابٌ وحركةٌ، الرَّيْبُ والحركةُ والاضطرابُ في العقيدةِ، كما في الحديثِ: (( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ ) )حديثٌ حَسَنٌ مشهورٌ. وهذهِ مِنْ جُملةِ الأحاديثِ الأربعينَ النَّوَوِيَّةِ.
وفي الحديثِ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مَرَّ بظَبْيٍ حاقِفٍ، يعني: لَمَّا كانوا مُحْرِمِينَ في غَزْوَةِ أوْ في عُمرةِ الْحُدَيْبِيَةِ. حاقِفٍ يعني: مُصابٍ، أوْ يعني: مَضروبٍ بنَبْلٍ أوْ بسَهْمٍ، فقالَ: (( لا يَرِيبُهُ أَحَدٌ ) )، أَوْقَفَ عندَهُ رجلًا يَحْمِيهِ، لا أَحَدَ يَريبُهُ: يعني: لا أَحَدَ يُؤْذِيهِ، فالرَّيْبُ هوَ الحركةُ، فقولُهُ: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} فُسِّرَ بمعنى: لا شَكَّ فيهِ، أوْ لا تَوَقُّفَ، كما أنَّ اليقينَ يُضَمَّنُ معنى السكونِ والطمأنينةِ، إذا قيلَ مَثَلًا: {لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} يعني: تَطْمَئِنُّونَ إليها، وتَسكنونُ إليها، وكذلكَ قولُهُ: {إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} ؛ أيْ: تُوقِنونَ بهِ وتَتَحَقَّقُونَهُ. فكما أنَّ اليقينَ يُضَمَّنُ معنى السكونِ والطمأنينةِ فالريبُ ضِدُّهُ يُضَمَّنُ معنى الاضطرابِ والحركةِ، فيُضَمَّنُ الفعلُ معنى فِعْلٍ آخَرَ. كذلكَ لَفْظُ: الشكِّ، قيلَ: إنَّهُ يَستلزِمُ هذا المعنى لكنَّ لفظَهُ لا يَدُلُّ عليهِ، الشكُّ في الأصلِ يُضَمَّنُ معنى التَّوَقُّفِ وعَدَمِ اليقينِ في الشيءِ.
كذلكَ إذا قيلَ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} في أوَّلِ سورةِ البقرةِ: هذا القرآنُ. (ذلِكَ) في الأصلِ يُشارُ إلى الشيءِ البعيدِ، ولكنَّ القرآنَ حاضِرٌ، فكيفَ أُشيرَ إليهِ بلفظِ البُعْدِ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ؟ يقولونَ: إنَّ هذا للتقريبِ، يعني: تَفسيرُهُ بكلمةِ (هذا) تقريبٌ؛ لأنَّ الْمُشارَ إليهِ وإنْ كانَ واحدًا فالإشارةُ في جِهةِ الحضورِ غيرُ الإشارةِ في جِهةِ البُعْدِ والغَيْبَةِ. والعربُ أيضًا تَعْرِفُ ذلكَ، يعني: قدْ يُشيرونَ بلَفْظِ ذلكَ إلى شيءٍ قريبٍ.
اسْتَشْهَدَ ابنُ جريرٍ بالبيتِ الذي قالَهُ خُفَافُ بنُ نُدْبَةَ في قولِهِ: (تَأَمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكَ) يعني: إنَّني أنا هذا.
لفْظُ الكتابِ يَتَضَمَّنُ معَ كونِهِ مَكتوبًا مَضمونًا ما لا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ القرآنِ مِنْ كَوْنِهِ مَقْرُوءًا مُظْهَرًا بادِيًا. يعني: يُسَمِّيهِ القرآنُ بلفْظِ الكتابِ، يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً على كلمةِ القرآنِ؛ لأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مكتوبٌ، والقرآنُ يَتضمَّنُ أنَّهُ مَقروءٌ، فكونُهُ يَتضمَّنُ مَكتوبًا -مَضمومًا يعني: يُضَمُّ بعضُ حُرُوفِهِ إلى بعضٍ- هذا يَدُلُّ على ما لا يَدُلُّ عليهِ لفظُ القُرْآنِ. لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ على كَوْنِهِ مَقْرُوءًا مُظْهَرًا بادِيًا. لأجْلِ ذلكَ كلُّ لَفْظَةٍ تَدُلُّ على مَعْنًى آخَرَ.
يقولُ: فهذهِ الفُروقُ مَوجودةٌ في القرآنِ. ثمَّ مَثَّلَ أيضًا بقولِهِ تعالى: {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} في سُورَةِ الأنعامِ، تُبْسَلَ أيْ: تُحْبَسَ، وآخَرونَ قالُوا: تُبْسَلَ, أيْ: تُرْتَهَنَ، والرَّهْنُ أيضًا شيءٌ شَبيهٌ بالْحَبْسِ، وفُسِّرَ تُبْسَلَ بمعنى تُسْلَمَ، يعني: تُسْلَمَ أيْ يُسْلِمَها صاحبُها، بحيثُ إنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَتخلَّصَ. في الحديثِ: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ ) )، يعني: لا يُسْلِمُهُ لأعدائِهِ. فهذا ليسَ اختلافَ تَضادٍّ، ولكِنَّهُ اختلافُ تَنَوُّعٍ. يقولُ: وإنْ كانَ المحبوسُ قدْ يكونُ مُرْتَهِنًا وقدْ لا يكونُ. تُحْبَسُ: تُرْتَهَنُ، تُسْلَمُ، هذا تقريبٌ للمعنى كما تَقَدَّمَ. وجَمْعُ عباراتِ السلَفِ في مِثْلِ هذا نافعٌ جِدًّا؛ فإنَّ مجموعَ عباراتِهم أَدَلُّ على المقصودِ مِنْ عبارةٍ أوْ عبارتَيْنِ.
يقولونَ: معَ هذا فلا بُدَّ مِن اختلافٍ مُحَقَّقٍ بينَهم، كما يُوجَدُ مِثلُ ذلكَ في الاختلافِ. يعني: كثيرًا ما يُوجَدُ اختلافُ تَضَادٍّ لا يُمْكِنُ الجمْعُ بينَهما، ولهذا فَابْنُ جَريرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذكُرُ أمثلةً، ثمَّ تكونُ تلكَ الأخبارُ مُتضادَّةً، فيقولُ: الصوابُ أوْ والمختارُ قولُ مَنْ قالَ: كذا وكذا، إذا كانتْ مُتَضَادَّةً. فمَثلًا تَفسيرُ قولِهِ تعالى: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} فَسَّرَها بعضُهم بأنَّ الخيلَ المُسَوَّمَةَ هيَ