الصفحة 26 من 89

وكذلكَ في القرآنِ، لا يُذْكَرُ في القرآنِ لفظتانِ بمعنًى واحدٍ إلاَّ نادرًا. يقولُ: قدْ لا يُعَبَّرُ عنْ لفظٍ واحدٍ بلفظٍ واحدٍ يُؤَدِّي جميعَ معناهُ، بلْ يكونُ فيهِ تقريبٌ لِمَعناهُ. يعني: الألفاظَ التي يُعَبَّرُ بها الغالِبُ أنَّها تكونُ كمِثالٍ، لا أنَّها تأتي على الألفاظِ كلِّها، ولا على المعاني كلِّها، إنَّما هيَ للتقريبِ، ولهذا جاءَ في القرآنِ كلماتٌ احتاجَتْ إلى التفسيرِ، فمَثلًا قولُهُ: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} فلم يَقُل: اسْجُدُوا على وُجوهِكُم وعلى أَيْدِيكُمْ وأَرْجُلِكم ورُكَبِكُمْ، بلْ قالَ: {اسْجُدُوا} ؛ لأنَّ اللفظَ يَحتاجُ إلى بيانٍ فذُكِرَ مُجْمَلًا، وجُعِلَ بيانُهُ مِنْ مُسَمَّى اللُّغَةِ.

يقولُ: يكونُ فيهِ تقريبٌ لمعناهُ. وهذا جَعَلُوهُ مِنْ أسبابِ كونِ القرآنِ مُعْجِزًا؛ أنَّهُ يأتي بالألفاظِ المُخْتَصَرَةِ، ويَدْخُلُ فيها عمومُ آياتٍ كثيرةٍ، يَدخُلُ فيها أشياءُ تَدخُلُ في بعضِها، وفَسَّرُوا مَثلًا قولَهُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، إذا قيلَ: إنَّهُم اليهودُ، فيَدخلُ في ذلكَ المشرِكونَ والنَّصارَى والشيوعيُّونَ وأشباهُهم؛ فإنَّهُم جميعًا مَغضوبٌ عليهم، فلا حاجةَ إلى أنْ يقولَ: غيرِ اليهودِ والنَّصارى والبوذِيِّينَ والْهُندوسِ والمشرِكينَ وما أَشْبَهَ ذلكَ، أَطْلَقَ عليهم هذا الوصْفَ حتَّى يَعُمَّ ذلكَ جميعَهم.

مَثَّلَ بقولِهِ: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} ، قيلَ: إنَّ الْمَوْرَ هوَ الحركةُ، {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ} يعني: تَتَحَرَّكُ، ولكنْ يقولُ: إنَّ العربَ تعني بالْمَوْرِ حركةً خفيفةً سريعةً. وكذلكَ الوحيُ يُفَسَّرُ بأنَّهُ الإعلامُ؛ لقولِهِ تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} ، {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} ؛ فإنَّ الوحيَ هوَ الإعلامُ، أوْ {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ؛ أيْ: أَنْزَلْنَا إليكَ.

فهذا أيضًا مِثالٌ، كذلكَ إذا قيلَ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} قَضَيْنَا, أيْ: أَعْلَمْنَا. وأمثالُ ذلكَ، فهذهِ كالمثالِ، يعني: هذا تقريبٌ لا تَحقيقٌ.

يقولُ: فإنَّ الوحيَ إعلامٌ سريعٌ خَفِيٌّ. الوحيُ عندَ العربِ حركةٌ خفيفةٌ سريعةٌ، أوْ كلامٌ خَفِيٌّ سريعٌ، ففَسَّرَهُ بعضُهم بالإعلامِ، وبعضُهم بالإنزالِ، ولا يُرادُ بذلكَ جميعُ معاني الوحيِ. كذلكَ {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ؛ أيْ: أَعْلَمْنَا، والقضاءُ أَخَصُّ مِن الإعلامِ؛ فإنَّ فيهِ إنزالًا إليهم وإيحاءً إليهم، فيكونُ هذا كمِثالٍ.

العربُ تُضَمِّنُ الفعلَ معنى الفعلِ، وتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ، مثلَ: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} الكلمةُ معناها: انتهيْتُمْ منها وفَرَغْتُمْ منها، فالقضاءُ هنا بمعنى الانتهاءِ، وكذلكَ قولُهُ: {وَقَضَى رَبُّكَ} ؛ أيْ: أَمَرَ ووَصَّى، القضاءُ هنا بمعنى الأمْرِ، وكذلكَ قولُهُ: {قَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ؛ أيْ: أَعْلَمْنَاهُمْ وأَنْزَلْنَا عليهم، فالقضاءُ كلمةٌ لها عِدَّةُ مَعانٍ.

فالعربُ تُضَمِّنُ الفعلَ معنى الفعْلِ، وتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ ومِنْ هنا غَلِطَ مَنْ جَعَلَ بعضَ الحروفِ تقومُ مَقامَ بعضٍ، ليسَ كذلكَ, بل الحروفُ تَتَفَاوَتُ مَعانيها، ولوْ زَعَمَ بعضُهم أنَّها مُترادِفَةٌ؛ فإنَّ كلمةَ (حتَّى) قدْ تأتي بمعنى (إلى) لا مُطْلَقَةً، حَرْفُ (إلى) للانتهاءِ، ولكن الانتهاءُ بِحَدٍّ محدودٍ، وأشباهُ ذلكَ، كما يقولونَ في قولِهِ: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} ، كلمةُ (إلى) ليْسَتْ للانتهاءِ هنا، جَعَلُوها بمعنى معَ نِعَاجِهِ، وفُسِّرَتْ بأنَّ معناها أنْ يَضُمَّ نَعْجَتَكَ إلى نِعاجِهِ، ضَمَّها إليها يعني: أَضافَها إليها، وكقولِهِ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (إلى) فُسِّرَتْ بمعنى (مَعَ) ؛ أيْ: معَ اللَّهِ.

والتحقيقُ ما قالَهُ نُحاةُ البَصرةِ مِن التضمينِ، يعني: مَضمومَةً إلى نِعاجِهِ، يعني: سؤالُ النَّعْجَةِ يَتَضَمَّنُ جَمْعَها وضَمَّها إلى نِعاجِهِ، وكذلكَ قولُهُ تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ، يَفتنونَكَ فُسِّرَ بأنَّ معناهُ: يُزِيغُونَكَ، وفُسِّرَ بأنَّهُ يَصُدُّونَكَ، والفِتنةُ في الأصلِ هيَ الاختبارُ كقولِهِ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، وبذلكَ تُفَسَّرُ الفِتنةُ. قدْ تُفَسَّرُ الفِتنةُ بالشرْكِ كقولِهِ تعالى: {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} ، وكقولِهِ: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فيَفْتِنُونكَ: يعني: يَختبِرُونكَ ويُزِيغُونكَ ويَصُدُّونكَ، ونحوُ ذلكَ مِن المعاني, كُلُّها تَدخُلُ في الفتنةِ.

وكذلكَ قولُهُ: {نَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} ما معنى نَصَرْنَاهُ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت