الصفحة 25 من 89

يقولُ:"إمَّا لكونِهِ مُتَوَاطِئًا في الأصلِ". والتَّوَاطُؤُ هوَ معناهُ أنْ تكونَ اللفظةُ أو المعنى لهُ عِدَّةُ ألفاظٍ، يُعَبَّرُ بهِ، يعني: المعنى الواحدُ قدْ يكونُ لهُ عِدَّةُ أسماءٍ كأسماءِ الأسدِ؛ فإنَّها أسماءٌ مُتواطئةٌ، الأسدُ والْهِزَبْرُ والليثُ، سُمِّيَتْ مُتواطِئَةً؛ لأنَّها كأنَّ العربَ تَوَاطَئُوا على تَسميتِهِ بعِدَّةِ أسماءٍ.

فالاشتراكُ اشتراكُ أكثرَ مِنْ معنًى واحدٍ في لفظٍ واحدٍ كقَسْوَرَةٍ، والتواطؤُ كونُ المعنى الواحدِ يُطْلَقُ عليهِ عِدَّةُ أسماءٍ.

يقولُ: لكنَّ المرادَ بهِ أحَدُ النوعَيْنِ أوْ أحَدُ الشيئَيْنِ، هذا المتواطِئُ، مَثَّلَ بقولِهِ تعالى: {ثُمَّ دَنَى فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} ، مَن الْمُرادُ بالذي دَنَى فَتَدَلَّى؟ قيلَ: إنَّهُ الْمَلَكُ دَنَى مِن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ وتَدَلَّى، فكانَ قابَ قوسَيْنِ، وقيلَ: إنَّ المرادَ بهِ النبيُّ محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، لَمَّا عُرِجَ بهِ أنَّهُ دَنَى مِنْ رَبِّهِ، وأنَّهُ كانَ قابَ قوسَيْنِ أوْ أَدْنَى. واللفظُ محتمِلٌ، يعني: مُتَوَاطِئٌ.

ومِثْلُ الفجْرِ في قولِهِ تعالى: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} ، قيلَ: إنَّ المرادَ بالفجْرِ: الصلاةُ، وقيلَ: إنَّ الفجْرَ هوَ انفجارُ الصبْحِ، والليالِ العشرُ قيلَ: إنَّها ليالي عشْرِ رمضانَ، وقيلَ: عشْرِ ذي الْحَجَّةِ، مُتواطئٌ؛ يَصْلُحُ كذا وكذا. {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} الشفْعُ هوَ العددُ الزَّوْجُ، والوَتْرُ هوَ العددُ الفَرْدُ، وقيلَ: إنَّ المرادَ بها الصلواتُ، منها شَفْعٌ ومنها وَتْرٌ، وقيلَ غيرُ ذلكَ.

يقولُ: مِثلُ هذا قدْ يَجوزُ أنْ يُرادَ بهِ كلُّ المعاني التي قالَها السلَفُ، وقدْ لا يَجوزُ ذلكَ، فالأوَّلُ إمَّا أنْ تكونَ الآيَةُ نَزلتْ مَرَّتَيْنِ، فأُرِيدَ بها هذا تارةً وهذا تارةً، يعني: قدْ يُرادُ أنَّ الآيَةَ نَزلتْ في مِثلِ {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} نَزلتْ في القُروءِ التي هيَ الأَطهارُ، والقُروءِ التي هيَ الْحِيَضُ، وما أَشْبَهَ ذلكَ، وكذلكَ أنَّ التَّدَنِّيَ والتدَلِّيَ نَزَلَ مَرَّةً يُرادُ بهِ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، ومَرَّةً يُرادُ بهِ جبريلُ، يُمكِنُ أنْ يكونَ هذا وهذا.

يقولُ: وإمَّا لكونِ اللفظِ مُشْتَرَكًا، فيَجوزُ أنْ يُرادَ بهِ مَعْنَيَاهُ؛ فيُطْلَقُ على هذا وهذا، كلفظةِ القروءِ مُشْتَرَكَةٍ، ولفظَةِ عَسعسَ، ولفظةِ قَسْوَرَةٍ، هذهِ مُشترَكَةٌ، يَجوزُ في كلِّ لفظٍ أنْ يُرادَ بهِ مَعْنَيَاهُ، ولهذا يقولُ بعضُهم: إنَّ المرادَ إقبالُ الليلِ وإدبارُهُ، في: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} يعني: أَقْبَلَ وأَدْبَرَ؛ إذْ قدْ جَوَّزَ ذلكَ أكثرُ الفُقهاءِ؛ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنبليَّةِ، وكثيرٌ مِنْ أهلِ الكلامِ جَوَّزوا أنْ يُرادَ باللفظِ مَعْنَيَاهُ إذا كانَ يَصْلُحُ لهُ الْمَعْنَيَانِ.

وأهلُ الكلامِ هنا: المتكلِّمونَ، وأكثرُهم مِن الحنفيَّةِ.

وإمَّا لكونِ اللفظِ مُتواطئًا فيكونُ عامًّا إذا لمْ يَكُنْ لتخصيصِهِ مُوجِبٌ، عَرَفْنَا أنَّ المُتَوَاطِئَ هوَ الشيءُ الذي لهُ عِدَّةُ أسماءٍ؛ فإنَّ العربَ تَتوَسَّعُ في كثيرٍ مِن الأسماءِ، كما ذَكَرُوا أنَّهُم وَضَعُوا للسَّيْفِ أَلْفَ اسمٍ، وللثعبانِ مِائتَيْنِ، وللأسدِ خَمْسَمائةٍ، فهذهِ هيَ الألفاظُ المتواطئةُ، فيكونُ عامًّا إذا لمْ يكُنْ لتخصيصِهِ مُوجِبٌ.

فهذا النوعُ إذا صَحَّ فيهِ القولانِ كانَ مِن الصِّنْفِ الثاني مِن الأقوالِ الموجودةِ عنهم، ويَجْعَلُها بعضُ الناسِ اختلافًا، أنْ يُعَبِّرُوا عن المعاني بألفاظٍ مُتقارِبَةٍ لا مُترادِفَةٍ.

والترادُفُ هوَ الألفاظُ التي معناها واحدٌ، كقولِهم: وَقَفَ، قامَ، انْتَصَبَ، هذهِ مُتَرَادِفَةٌ. قَعَدَ، وجَلَسَ، هذهِ أيضًا مُترادِفَةٌ. وقدْ تكونُ في الأسماءِ كإنسانٍ ورجُلٍ وامرْئٍ وآدَمِيٍّ، هذهِ مُترادِفَةٌ، فهيَ تَدُلُّ على مدلولٍ واحدٍ مِن الأسماءِ أوْ مِن الأفعالِ، فيُعَبِّرُونَ عن المعاني بألفاظٍ متقارِبَةٍ، وليست مُترادِفَةً، يعني: أنَّها تكونُ بمعانٍ قريبٌ بعضُها مِنْ بعضٍ؛ فإنَّ الترادُفَ في اللغةِ قليلٌ، يعني: الترادُفَ الذي هوَ كونُ الكلماتِ دالَّةً على معنًى واحدٍ قليلٌ. وأمَّا في ألفاظِ القرآنِ فإمَّا نادرٌ وإمَّا معدومٌ، الذي هوَ عَطْفُ كلمتَيْنِ بمعنًى واحدٍ. الغالبُ أنَّ العرَبَ تَقتصِرُ على كلمةٍ ولا تَحتاجُ إلى مُرادِفٍ، فالغالِبُ أنَّها تقولُ: قامَ، ولا تقولُ: قامَ ووَقَفَ. (قَعَدَ) ولا تقولُ: قَعَدَ وجَلَسَ، يَكْتَفُونَ بكلمةٍ واحدةٍ، وإنْ كانت اللفظةُ بِمَعْنَاها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت