فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 168

ومنها: الذبح له؛ فمن ذبح لغيره فقد شبّهه به.

ومنها حلق الرأس. إلى غير ذلك.

هذا في جانب التشبيه [1] .

(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله ـ: (( واعلم: أن من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه ) ). الله ـ سبحانه وتعالى ـ كاملٌ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وتشريعه الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد.

وقد يُعطي الكمال خلقه كالعلم والقدرة والحياة، ولكنّ هذا الكمال كمالٌ نسبي، الكمال المطلق لله وحده، الكمال المطلق الذي لا يتطرّق إليه نقصٌ بوجه من الوجوه.

(( الذي لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه، وذلك ) )الكمال المطلق (( يوجِب أن تكون العبادة له وحده ) ). لأن العبادة ـ كما تقدّم ـ: غاية الذل مع غاية الحب؛ هذا المعنى لا ينبغي أن يكون لغيره أبدًا (( عقلًا وشرعًا وفطرة ) )أي: العباد مفطورون ومجبولون على هذا المعنى قبل أن تتغيّر الفطر؛ والعقول تُدرك ذلك قبل أن تتلوّث بالشبه، وأكثر الشبه التي تُفسد القلوب: آراء علماء الكلام ...

(( ومن خصائص الإلهية والعبودية التي لا تقوم إلى ساق الحب والذل ) ). العبارة قَلِقَة؛ (( ومن خصائص الإلهية والعبودية لا تقوم إلا على ساق الحب والذل ) )الإلهية والعبودية لا تقوم إلا على ساق الحب والذل؛ ولفظة (التي) ما هي ظاهرة عندي من حيث المعنى؛ الذي يظهر ـ والله أعلم ـ المعنى هكذا: ومن خصائص الإلهية والعبودية

ـ بمعنى واحد ـ لا تقوم الإلهية أو العبودية إلا على ساق الحب والذل؛ هذا هو الظاهر.

من خصائص الإلهية ـ فيما تقدّم ـ: الكمال المطلق.

(( ومن خصائص الإلهية: العبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل ) )هكذا المعنى مستقيم؛ إما هكذا أو على الوجه الأول بحذف (التي) .

وهنا أدخل المجاز، وأنتم طبعًا لا ترون المجاز، وهو يرون المجاز؛ هذا تعبير مجازي، يعني: جعل الحب والذل شبّهه بإنسان له ساق؛ هذا يسمى مجاز؛ فالمجاز أحيانًا نتسامح فيه خصوصًا في غير القرآن بصفة خاصة في غير نصوص الكتاب؛ وهذا نوعٌ من المجاز؛ فيه تشبيه؛ المعنى واضح على كلٍّ سواءٌ درستم المجاز أو لم تدرسوا المعنى واضح.

(( فمن أعطاهما ) )الإلهية والعبودية لغيره (( فقد شبّهه بالله ـ سبحانه وتعالى ـ في خالص حقه. وقبح هذا مستقرٌّ في العقول والفطر ) )أي: في العقول السليمة والفطر السليمة.

(( لكن لَمّا غيّرت الشياطين فطر أكثر الخلق واجتالتهم ) )حوّلتهم (( عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا كما روى عن الله أعرف الخلق به وبخلقه ) )وهو رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ (( عَمُوا عن قُبح الشرك حتى ظنوه حسنًا ) )وهذا أمرٌ واضح: لأن أكثر من يعبد الصالحين، أو من يزعمون أنهم من الصالحين ظنوا أن ما يفعلوه ليس بشرك: توسُّل ومن محبة الصالحين، ويعادون من ينهاهم عن ذلك، ويتّهمون بأنه لا يحب الصالحين، بل لا يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لو نهيت بعض من يصابون بالغلو في رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ عاطفةً وجهلًا واتّباعًا لبعض المنتسبين إلى العلم وليسوا بعلماء، وقلت لهم: لا يجوز أن تقول: أغثنا يا رسول الله، اتّهمك بأنك لا تحب رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وما فعله حسن، من حبِّ رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وإنكار ذلك دليلٌ على عدم محبة رسول الله

ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وقد أحسن في هذا التعبير الإمام المقريزي؛ الذي يظهر أن هذا الذي نشكو منه قد ظهر في وقته في القرن التاسع، وبما قبل ذلك ـ كما يدلُّ عليه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ـ.

(( ومن خصائص الإلهية: السجود؛ فمن سجد لغيره فقد شبّهه به ) ). هذا واضح.

(( ومنها: التوكل؛ فمن توكّل على غيره فقد شبّهه به ) ). وإنْ كان السجود لغير الله نادرٌ جدًّا، ولكنّ التوكُّل على غير الله قد يقع فيه كثيرٌ من الناس، لأن التوكُّل على الأسباب من باب التوكُّل على غير الله؛ لا يجوز الاتّكال على الأسباب، حتى الأسباب المباحة، الإنسان يستعملها ولا يتوكّل عليها.

والتوكُّل لا يكون إلا على الله؛ لذلك: لا ينبغي الغلو والإسراف في تقديس الآراء وفي تقديس الأسباب، وأنها فعلتْ وأنها فعلتْ، وربما الإنسان إذا اتّخذ أسبابًا قويّة يعتمد عليها وينسى الله كما سُمعتْ بعض العبارات السفيهة من بعض السفهاء في هذه الآونة الأخيرة عندما جاءت القوّات الأجنبية في الخليج سُمعت عبارةٌ من بعض السفهاء أنْ

قالوا: (إذا جاء بوش فنم في الحوش) هذه عبارة سيِّئة وهم يحسبون أنها هيِّنة لكنها صعبة، ليستْ بالأمر الهيِّن، معنى ذلك: اعتمدوا عليه وعلى قوّته ولا تبالوا، هو يحفظكم، ويقيكم شرَّ أعدائكم، ناموا حيث شئتم في الحوش وفي السطوح وفي حيث شئتم؛ هذا الكلام سيء جدًّا، ينبغي التنبيه، وقد نبّهنا على هذه العبارة غير مرّة حتى في (جدة) وهي سُمعتْ في (جدة) .

وعلى كلٍّ: ينبغي على طلاّب العلم: أن ينبِّهوا الناس في مثل هذه الظروف الحرجة، والناس قد تعتمد على هذه القوّات الهائلة التي اجتمعتْ في الخليج، ربما بعض ضعفاء الإيمان ينسون رب العالمين، يقول: خلاص انتهى كل شيء، نحن جمعنا كل شيء، لا، هذا خطأ، الأسباب لا تنفع إلا إذا بارك الله فيها، قد يبارك الله في السبب القليل اليسير ما لا يبارك في الأسباب الضخمة.

لذلك: مسألة التوكل قد تدخل حتى على أُناس ليسوا من المشركين ولا من الذين عندهم غلوٌّ في الصالحين، لكن يحصل منهم الغلو في تقديس الأسباب.

(( ومنها: التوبة؛ فمن تاب لغيره فقد شبّهه به ) ). تقدّم هذا الكلام في كلام الإمام نفسه.

(( ومنها الحلف باسمه؛ فمن حلف بغير فقد شبّهه به ) ). أي: من حيث التعظيم، لأن الحالف إنما حلف بالمحلوف به لتعظيمه إيّاه، يعظِّمه، ويخافه، ويرجوه، في ذلك تشبيه؛ لذلك سبق أن قلنا ـ غير مرّة ـ: إن الحلف بغير الله ـ وإن كان في الأصل من الشرك الأصغر ـ لكنه قد يرتفع إلى درجة الشرك الأكبر بما يقوم بقلب الحالف من تعظيم المحلوف به والغلو في تعظيمه ومحبته والخوف منه، حتى يخاف أنه لو يحلف ربما يضره ضررًا سريًّا، إذا وصل إلى هذه الدرجة خرج من كون الشرك الأصغر وانتقل إلى درجة الشرك الأكبر.

(( ومنها: الذبح له؛ فمن ذبح لغيره فقد شبّهه به [تعالى] ) ). ومسألة الذبح علّق المعلِّق على هذا ـ رقم (1) في الهامش ـ فقال: (( الذبح لغير الله لا يكون حرامًا إلا إذا ذَكر اسم غير الله على المذبوح بأن قال الذابح:(باسم اللات) أو (باسم العُزّى) أو (باسم يَزْدان) أو نحو ذلك؛ أما إذا سكت ولم يذكر اسم غير الله ))هل ذكر

اسم الله؟، ذبح ولم يذكر اسم أحد؛ هذا ما تدلُّ عليه عبارته (( فلا يكون ذلك ذبحًا لغيره، ويكون أكله حلالًا ) ). هذه العبارة فيها نظر:

أولًا: من جعل ذبيحة لغير الله ـ تعالى ـ، قال: هذه الذبيحة للشيخ فلان

ـ لـ (يَزْدان) كما ذكر المعلِّق ـ أو لأيِّ فلان، جعل هذه الذبيحة له، بعد ذلك ذكر اسمه أو ذكر اسم الله؛ القول (باسم الله) (الباء) للاستعانة؛ ومسألة الاستعانة أخفُّ من اعتقاد أنّ هذه الذبيحة لفلان، وخصوصًا إذا نذر كما يفعل العوام بعض الجُهّال من أصحاب المواشي ـ يجعلون في الحوش نذرًا للشيخ، ومعروف ـ حتى عند الأولاد الذين هم رُعاة المواشي ـ أنّ هذا الكبش أو هذا الثور أو هذا الجمل ـ للشيخ فلان، معروف؛ فإذا ذبح، خصوصًا إذا قاده عند قبر الشيخ وذبح هناك، ولو قال (باسم الله) عشرين مرّة ما نفعه ذلك؛ لأن القول (باسم الله) من باب الاستعانة على الذبح، لكنّ الذبيحة ذُبحتْ بنيّة غير الله

راجعوا هذه المسألة في (( اقتضاء الصراط المستقيم ) )، وفي (( تيسير العزيز الحميد ) )؛ وأهمُّ شيء كلام الإمام النووي، إنما قلت: أهم لِمَا تعلمون بأنه لا يُتّهم بالتشدُّد في مثل هذه الباب كما يُتّهم غيره ـ الإمام النووي ـ؛ فيرى إنْ ذبح تعظيمًا للمذبوح له فإنه كفرٌ؛ صرّح الإمام النووي بذلك، نقل صاحب (( تيسير العزيز الحميد ) )، وتجدون البحث مستوفًا في (( اقتضاء الصراط المستقيم ) ).

وما ذكره الشيخ هنا فيه نوعٌ من عدم التحقيق في المسألة؛ لأنه يُفهم من عبارة: لو لم يذكر اسم أحد لا اسم الله ولا اسم غير الله فذبح فحلال؛ العبارة قلقلة، إنما الصواب: إنْ ذكر على الذبيحة اسم غير الله ـ تعالى ـ لا تحل، وإنْ جعل الذبيحة لغير الله ـ تعالى ـ قصْدًا ونيّة، وذبح بنية غير الله لا تحل ذكر اسم الله أو ذكر اسم غير الله أو لم يذكر اسم شيء؛ هذا الجعل وهذه النية وهذا الاعتقاد يكفي؛ راجعوا المراجع التي ذكرناها.

ثم قال: (( ومنها: حلق الرأس؛ إلى غير ذلك ) ). حلق الرأس على ما تقدّم من التفصيل أي: إذا حلق تعبُّدًا وتذلُّلًا للشيخ؛ كما تعلمون حلق الشعر إنما يُشعر بصفة عبادة في مكان معيّن في عبادة معيّن: في الحج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت