النفع والضر والنفع والعطاء والمنع؛ فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبّهه بالخالق ـ تعالى ـ، وسوّى بين التراب وربِّ الأرباب؛ فأيُّ جَوْر وذنب أعظم من هذا؟ [1] .
(1) انتبه! الشيخ يريد أن يُجيب على السؤال الذي تقدّم في صفحة (23) : (( فإنْ قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله ـ تعالى ـ وأنه لعظمته ... ) )إلى آخره، هذا السؤال يأتي بعده في صفحة (24 ـ السطر الرابع) : (( وما السر في كونه لا يُغفر من بين الذنوب كما قال ـ تعالى ـ: {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ) ). هذا السؤال الكبير الجواب عليه هو هذا: (( فإذا ) )ولذلك تسمى (الفاء) هذه (فاء الفصيحة) .
(( فإذا عرفت هذه الطوائف ) )التي سبقت الإشارة إليها.
(( وعرفت اشتداد نكير الرسول - صلى الله عليه وسلم - على من أشرك به ـ تعالى ـ في الأفعال والأقوال ) )كالسجود والذبح ـ كما تقدّم ـ، (( و ) )في (( الأقوال ) )كالحلف بغير الله، (( والإرادات ) )التي هي: النيّات وإرادة غير الله ـ تعالى ـ بالعمل (( كما تقدّم ذكره ) )إذا عرفت ذلك (( انفتح لك باب الجواب على السؤال ) )السؤال الذي يبدأ من (23) .
(( فنقول: اعلم: أنّ حقيقة الشرك ) )تنحصر في (( تشبيه الخالق بالمخلوق ) )أو (( تشبيه المخلوق بالخالق ) ). لو تتبّع أنواع الشرك وأنواع العبادات التي تُصرف لغير الله
ـ تعالى ـ لا تخرج من هاتين النقطتين: إما تشبيه الخالق بالمخلوق أو تشبيه المخلوق بالخالق.
(( أما الخالق: فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهيّة وهي التفرُّد بملك الضُرِّ والنفع والعطاء والمنع ) ). من اعتقد في شيخه بأنه يضرُّه ضُرًّا سريًّا لا بالأسباب الظاهرة، وأنه ينفعه في نفسه وأهله وماله، وأن يُعطيه ويمنعه، ويوسِّع له في زرقه، وربما يؤثِّر له في خاتمته ـ كما يعتقد المريدون ـ؛ من فعل ذلك شبّه المخلوق بالخالق في هذه الخصائص، أعطى المخلوق خصائص الخالق.
لذلك قال: (( فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبّهه بالخالق ـ تعالى ـ ) )وهذا واضح، (( وسوّى بين التراب وبين ربِّ الأرباب ) ). الشيخ وشيخ شيخه، القطب، والغوث هؤلاء كلهم تراب، من أين خُلقوا؟، من تراب، وهم من آدم وآدم من تراب؛ ثم هم خُلقوا من ماء مهين؛ تشبيه هذا المخلوق الضعيف برب الأرباب.
(( فأيُّ جَوْر ) )أيُّ ظلم، (( وذنبٍ أعظم من هذا؟ ) )لا يجود، لا قتل النفس، ولا أيُّ كبيرة ـ أو أي موبقة من الموبقات والكبائر ـ، لو تتبّعت لا يوجد ذنب يشبه هذا الذنب، وهو أعظم الظلم.