فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 168

ومنهم: من يزعم أن معبوده الأدنى يقرِّبه إلى الأعلى الفوقاني، والفوقاني يقرِّبه إلى من هو فوقه، حتى تقرِّبه تلك الآلهة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ؛ فتارةً تكثُر الوسائط، وتارةً تقل [1] .

(1) قبل أن نواصل القراءة في كلام المقريزي نقرأ في صفحة (25) في الهامش رقم (2) يقول المعلِّق: (( الجهمية طائفة يخالفون أهل السنة في كثير من الأصول كمسألة الرؤيا في الآخرة وإثبات الصفات؛ يُنسبون إلى جهْم ) )أي في مسألة إثبات الصفات؛ هكذا أجمل؛ مسألة نفي الرؤية يشترك معهم ـ أي: مع الجهمية ـ المعتزلة، ومسألة إثبات الصفات إذا أردنا التفصيل:

الجهمية لا يُثبتون لا الصفات ولا الأسماء، لا يُثبتون لله ـ تعالى ـ إلاّ الوُجود المطلَق؛ الوُجود المطلق لا يوجد إلا في الذهن، وما يوجد في خارج الذهن كله جزئي.

ثم قال: (( يُنسبون إلى جهم ) )الجمهية يُنسبون إلى جهم (( بفتح وسكون؛ وهو جهم بن صفْوان، من أهل الكوفة؛ وقد عقد ابن ماجه في أوائل سننه بابًا للرد عليهم ) )وأما ما ذكر ابن ماجه في أوائل سننه على طالب العلم أن يرجع؛ وهذا معروف: ترجم ابن ماجه وغيره في باب الرد على الجهمية وساقوا أحاديث.

(( وجهمٌ من الجبرية الخالصة ) ). هل هناك جبرية غير خالصة؟، الجبرية غير الخالصة هم الأشاعرة أصحاب الكسب؛ الجبرية الخالصة هم: (( القائلون بأنّ الإنسان مجبور غير مخيَّر فهو كالريشة في مهب الريح، لا يملك من أمره شيئًا ) )أي: ليستْ له قدرة؛ عند الجبرية الخالصة: العبد ليستْ له قدرة ولا اختيار كما مثلّ (( كالريشة في مهبِّ الريح ) ).

وماذا تقول الجبرية غيرُ الخالصة؟، الجبرية المتستِّرة باسم (الكسب) وهم الأشاعرة، يقولون: العبد له قدرة؛ الجبرية غير الخالصة وهم الأشاعرة أصحاب الكسب ـ كسب الأشعري ـ يُثبتون للعبد قدرة، ولكن قدرة غير فعّالة، لا تؤثِّر، قدرته قدرة عبارة عن آلة عطلانة لا تعمل جهاز تعطّل، الجهاز موجود ـ جِرْمه ـ لكن لا يعمل، ما الفرق بين الجهاز الموجود لا يعمل وبين عدم الجهاز؟، لا فرق؛ لذلك سمى (( الجبرية الخالصة ) )لأنهم لا يُثبتون القدرة؛ والأشاعرة يُثبتون للعبد القدرة والاختيار والإرادة، ولكن ليس هو الذي يؤثِّر، ليس هو الذي يفعل، الفاعل الحقيقي هو الله، فنسبة الأفعال إلى العبادة نسبة مجازية عندهم كنسبة الجري إلى الماء والحركة إلى الشجرة.

(كسب الأشعري) يطول شرحه، نكتفي بهذه الأشارة، وأحيلكم بالنسبة لمن لديه رغبة في الاطلاع لأني شرحت هذا الكسب في كتاب (( العقل والنقل عند ابن رشد ) )لعله موجود في بعض المكتبات، هو موجود في (( مجموعة أضواء في الدعوة إلى الإسلام ) )أو سمّاه، هذه التسمية ليستْ مني، الكتاب موجود في هذا المجموع ـ والله أعلم ـ.

ثم قال: (( وعلى ذلك: لا يُعاقب على المعصية، ولا يُثاب على الطاعة ) ). أي: إن الجبرية يعطِّلون الأحكام: العبد إذا كان يفعل كلَّ ما يفعل بدون إرادته وقدرته كيف يعاقَب على المعاصي وكيف يُثاب على الطاعة؟.

(( ومن نِحْلته: أنه لا يجوز أن يوصَف الباري ـ تعالىـ بصفة يوصف بها خلقه ) ). أي: من ملّة جهم ومن نِحْلة جهم: لا يوصف الله ـ تعالى ـ بصفة يوصف بها خلقه.

(( لأن ذلك يقتضي تشبيهًا: فنفى كونه حيًّا عالمًا ) ). لأن المخلوق يوصَف بالحياة، ويوصف بالعلم، إذًا الله لا يوصف لا بالعلم ولا بالحياة.

(( و ) )لكنه (( أثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا ) ). هكذا يتناقضون: والقدرة كذلك يوصف بها الإنسان، كيف أثبتّ القدرة وأنت تنفي الحياة؟، (( وفاعلًا ) )الإنسان فاعل، إنما صفة (خالق) فقط.

(( لأنه لا يوصف شيءٌ من خلقه بالقدرة والفعل والخلق ) ). عجبًا!؛ الوصف بالقدرة حاصل، وإن كانت قدرة المخلوق تخالف قدرة الخالق، و (الفعل) الإنسان فعّال يفعل بإرادته وقدرته المحدودة؛ إنما لا يوصف المخلوق بالخلق فقط، لا يقال له: خالق، يُقال له: فاعل، وهو قادر، مُريد، عالم، حي؛ يوصف بكل ذلك.

وهذا التفصيل الذي ذكره الشيخ طه لا نعلمه في طريقة الجهمية إلا إذا كان طريقة لفرقة من الجهمية؛ المعروف عندنا الجهمية ينفون الأسماء والصفات مطلقًا، لا يُثبتون شيئًا؛ لا نستطيع أن نحكم على المعلِّق بأنّ ما قاله خطأ، ولكن نقول: لعل ما ذكره عقيدةٌ لفرقة من فرق الجهمية ـ والله أعلم ـ.

ثم قال: (( وقد ظهرتْ بدعته بـ(ترمذ) ، وقتله سالم بن أحْوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية )). وقُتل قبله شيخه: جعْد بن درهم، قتله خالد القسري في واسط؛ فهو الذي أخذ العقيدة من جعد بن دهم قبل أن ينشرها جعد؛ فهو الذي تولّى نشر العقيدة، وإلا ليس هو المؤسِّس، المؤسِّس هو جعد بن دهم، وجهمٌ تلميذه؛ فلما قُتل جهم ورث العقيدة بِشْرٌ المرِّيسي.

(( وأصل مقالة التعطيل للصفات والأسماء: مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضُلاّل الصابئين ) ). من هنا إلى آخره هذا كلام شيخ الإسلام، لعله نقل من (( الحموية ) ).

(( وأول من حُفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام: الجعْد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنُسبتْ إليه ) ). هذا الكلام بالحرف الواحد لشيخ الإسلام؛ يجوز أن يقول قبله غيره.

(( قيل: إنّ الجعد أخذ مقالته بالتعطيل عن أَبَان بن سَمْعان ) ). يقال: (أَبان) ،

ويقال: (إِبان) .

(( وأخذها أبان عن طالوت بن أخت لبيد الأعصم اليهودي الساحر ) )الذي سحر

النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ هذا سند الجهمية.

قال الإمام المقريزي: (( النوع الثاني ) )من الشرك (( شرك التمثيل ) )وهو التشبيه، (( وهو شرك من جعل معه إلهًا ) )شركُ من جعل مع الله ـ تعالى ـ إلهًا آخر (( كالنصارى في المسيح، واليهود في عُزير، والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظُّلْمة ) ). وهذا الكلام تقدّم بأُسلوب آخر، من حيث المعنى يُعتبر مكرَّرًا.

(( وشرك القدرية المجوسية مختصر منه ) ). من أيِّ شرك؟، سبق الكلام: أن شرك القدرية مختصر من شرك الفلاسفة؛ هذا هو الصحيح، لأن شرك الفلاسفة أقبح وأوسع، وشرك القدرية مختصر من ذلك؛ ثم المجوس ـ وإنْ كان في نظر الناس هم أسوأ ـ ولكن القدرية أسوأ من المجوس؛ يمكن أن يقال: شرك المجوسية مختصر من شرك القدرية.

(( وهؤلاء أكثر مشركي العالم ) )أهل التمثيل.

(( وهم طوائف جمّة ) )طوائف كثيرة.

(( منهم: من يعبد أجزاء أرضية ) ). عندك في الهامش: (( كمن يعبد الجبال، والأنهار، والأشجار، والحيوان كالبقر في الهند، والقط والعِجْل عند قدماء المصريِّين ) ). وعبادة الأشجار والكهوف إلى الآن موجودة في كثير من الأقطار البعيدة النائية من نور التوحيد؛ لا تزال أشجار عظيمة تعبدها الناس وأحجارٌ أيضًا وكهوف يعبدوا؛ وعبادة القبر في الهند إلى الآن معروفة عند الناس؛ ولكنّ الشيخ يقول ـ بالنسبة للقط والعجل ـ: (( عند قدماء المصريِّين ) )يعني: عند الأقباط الأولين، لعلها غير موجودة الآن هذه العبادة.

(( ومن هؤلاء: من يزعم أنّ معبوده أكبر الآلهة ) ). يتفاخرون، كالشمس والقمر والنجوم.

(( ومنهم: من يزعم أنّ إلهه من جُملة الآلهة ) ). هذه العبارة فيها إجمال: (( يزعم أن إلهه من جُملة الآلهة ) )يعني: كأنه لا يعيِّن له إلهًا معيّنًا، يعبد الآلهة كلها؛ لعله مقلِّدٌ في الشرك.

(( ومنهم: من يزعم أنه إذا خصّه بعبادته والتبتُّل إليه أقبل عليه واعتنى به ) ). هذا موجود في عُبّاد القبور والمشاهد أنهم يزعمون أنهم إذا أخلصوا كثيرًا لعبادة الشيخ بعد وفاته وأكثروا من النذور والذبح عنده أنه يعتني بهم فينفعهم كثيرًا.

(( ومنهم: من يزعم أن معبوده الأدنى يقرِّبه إلى الأعلى ) ). يعني: له معبودات. (( الفوقاني ) )هذه النسبة شغلتني: (الفوقاني) هل هذه النسبة عربية أو تعبير عامي؟؛ إذا تتبّعنا (باب النسبة) ما نجد نسبة من هذا القبيل، إنما الاسم إذا نُسب تُضاف(ياء

النسبة)؛ أما (الفوقاني) ـ زيادة (ألف و نون) ـ إذا كان في الشباب من يدرسون في (كلية اللغة) فليبحث؛ النسبة هذه ما عرفناها، لا أعرف لها أصلًا.

(( إلى الأعلى الفوقاني ) )المعنى واضح: إلى الأعلى الذي فوقه.

(( والفوقاني يقرِّبه إلى من هو فوقه ) ). والذي فوقه يقرِّبه إلى من هو فوقه.

(( حتى تقرِّبه تلك الآلهة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ ) ). هذا أشبه ما يكون بسلسلة طرق القادرية والتجّانية وغيرها من أصحاب الطرق: يبدءون في عبادة الخليفة، ثم عبادة الشيخ، ثم شيخ الشيخ؛ وينصون: لا ينبغي للمريد أن يتوصل بشيخ شيخه تاركًا شيخه، بل يبدأ بشيخه، ثم شيخ شيخه، ثم هناك في كل زمن عندهم (قطب) : القطب الزمان ـ القطب الزماني والغوث الصمداني ـ عباراتٌ محفوظة عندهم؛ القطب دون الغوث، ثم الغوث أعلى درجة؛ وهل تعلمون أين محلُّ الغوث؟، في سطْح الكعبة، وهل رأيتموه؟، يزعمون أن الحمام لا يمرُّ على الكعبة لماذا؟، لأن الغوث فوق الكعبة؛ ونحن طلاب صغار كنا جالسين أمام الكعبة فإذا الحمام يمرُّ من هنا ومن هنا، يمرُّ، ونحن هذه القاعدة ـ هذه الفكرة ـ في أذهاننا، تحيّرنا، قلنا: سمعنا هذا القول؛ فإذ هي فِرْيةٌ

لا أصل لها.

على هذا تنبني عقيدة الصوفية: أكاذيب ملفّقة لا أصل لها؛ إذا أردتم أن تطّلعوا على شيء من هذه الأكاذيب: (( هذه الصوفية ) )هذا الكتاب ـ (( هذه هي الصوفية ) )يغني عن المراجع الكبار، لأنه نقل شيئًا كثيرًا من أكاذيبهم.

الشاهد: هذا التدرُّج من الشيخ إلى شيخ الشيخ إلى أن تصل السلسلة إلى الحسن البصري ومنه إلى عليّ بن أبي طالب ثم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جبرائيل ثم إلى الله؛ هكذا بدون حياء يضعون هذا السند، سندٌ لا أصل، مكتوب عندهم هكذا، سند الصوفية: لا يعرف أحدًا من الصحابة إلاّ عليّ بن أبي طالب؛ الغريب: دائمًا يمرُّ على الحسن البصري، ولست أدري ما السر في ذلك.

ثم قال: (( فتارةً تكثُر الوسائط وتارةً تقل ) ). على حسب قربه ـ أو علو السند ـ؛ لذلك: إذا كان السند عاليًا الوسائط تقل، إذا كان نازلًا تكثُر، وهكذا ـ لله في خلقه شئون، وهو العليم الحليم ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت