فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 168

وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو: التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: أحدها: تعطيل المصنوع عن صانعه، الثاني: تعطيل الصانع عن كماله الثابت له، الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.

ومن هذا: شرك أهل الوحدة.

ومنه: شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديّته، وأن الحوادث بأسرها مستندة إلى أسباب ووسائط اقتضتْ إيجادها، ويسمونها: العقول والنفوس.

ومنه: شرك معطِّلة الأسماء والصفات كالجهمية والقرامطة وغُلاة المعتزلة [1] .

(1) قال الإمام المقريزي: (( وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو: التعطيل ) ). انتبهوا التعطيل عند المقريزي أدقّ مما كنتم تتصوّرون.

(( وهو ثلاثة أقسام ) )التعطيل.

(( أحدُها: تعطيل المصنوع عن صانعه ) ). والتعبير بالمصنوع والصانع تعبير ـ أو أُسلوب ـ أهل الكلام؛ (الصانع) ليس من أسماء الله ـ تعالى ـ؛ ولكن معناه: تعطيل المخلوق عن الخالق؛ الصانع هو الخالق، المصنوع هو المخلوق؛ يقال: يجوز في باب الإخبار استعمال (الصانع) و (المريد) و (المتكلِّم) ، ولكن هذه ليستْ من أسماء الله الحسنى لا (المريد) و (المتكلّم) و (الصانع) و (القديم) ليستْ من أسماء الله، إلاّ أنّ باب الإخباب يُقال أوسع من باب الأسماء والصفات، لذلك يُخبر عن الله ـ تعالى ـ بهذه الألفاظ.

قوله: (( تعطيل المصنوع عن صانعه ) )تعطيل المخلوق عن خالقه أي: نفيُ الخالق، وإسناد المخلوق إلى غيره، أنّ غيره هو الذي خلق، ليس هو الذي قد خلق؛ هذا المعنى قد تقدّم؛ تقدّم أن بيّن بأن الفلاسفة يرون أن ما يصدُر من الله ـ تعالى ـ واحد بسيط، والعقل الفعّال هو رب مَنْ دنه؛ كذلك تقدّم بيان بأن القدرية ـ نُفاة القدر ـ يثبتون خالقِيْن مع الله، وتقدّم البيان بأنّ المجوس يُثبتون خالقَيْن اثنين؛ هذا الذي يقصد: تعطيل المخلوق عن خالقه، ونسبة هذا المخلوق إلى غيره، ليس الله هو الذي خلق، بل غيره هو الذي خلق.

(( الثاني: تعطيل الصانع عن كماله الثابت له ) ). وذلك كنفي الصفات كلها عند المعتزلة، ونفي الأسماء والصفات معًا عند الجهمية، وتأويل كثيرٍ من الصفات تأويلًا يؤدِّي إلى التعطيل عند الأشاعرة والماتوردية.

(( الثالث: تعطيل معاملته عمّا يجب على العبد من حقيقة التوحيد ) )بأن يشرك به غيره، ويدعوا معه غيره، ويستغيث بغيره، أي: الإشراك بالإلهية والمحبة ـ كما تقدّم ـ.

ثم قال: (( ومن هذا شرك أهل الوَحْدة ) ). وحدة التوحيد؛ يقول المعلِّق [هنا] : (( هم القائلون بوَحدة الوجود ) )إلى هنا الكلام مستقيم، ولكن تمثيله (( كبعض الفلاسفة الإسلاميِّين القائلين بأن العالم وما فيه جزءٌ من ذات الله أو هو الإله، حتى قال بعضهم:

(ما في الجُبَّة إلاّ الله ) ) ) المعلِّق التبس عليه الأمر: هذا ليس قول الفلاسفة، هذا قول وَحْدة الوجود؛ والعبارة هذه محفوظة عن رئيسهم الذي هو ابن عربي، ابن عربي الطائي هو الذي قال: (( ليس في الجُبَّة إلا الله ) )؛ جماعة وحدة الوجود لا يُطلق عليهم أنهم فلاسفة؛ وقول المعلِّق: (( كبعض الفلاسفة الإسلاميِّين ) )فيه نظر؛ أولًا: نحن لا نقر بالفلاسفة الإسلامييِّن، وثانيًا: جماعة وحدة الوُجود لا يُطلق عليهم لفظ (الفلاسفة) وإنْ كان فيهم من درس الفلسفة؛ دراسة الفلسفة ليستْ خاصّة بالفلاسفة، جميع علماء الكلام بما فيهم الأشاعرة والماتورودية إلى يومنا هذا يدرُسون الفلسفة؛ ليس كلُّ من درَس الفلسفة يُقال له فيلسوف؛ الفلاسفة ـ إذا أُطلقت الفلاسفة ـ ينصرف الذهن إلى الفلاسفة اليونانيِّين أو تلامذتهم، كالذين يُطلقون عليهم الفلاسفة الإسلاميُّون كابن سينا والفارابي والكِنْدي؛ وجماعة وحدة الوجود لا يُعرفون بهذا اللقب، بل يُعرفون بوحدة الوجود. فقوله: (( هم القائلون بوحدة الوجود ) )هذا صحيح.

وهم القائلون بأن الله اتّحد مع جميع خلقه؛ معنى وحدة الوجود: يقولون: لا إثنينيّة في الوجود، الوجود كله جزءٌ واحد، لا فرق بين الخالق وبين المخلوق؛ ابن عربي له عبارة هنا كفرية كثيرة، منها: قوله:

الرب عبدٌ والرب عبدٌ ... ليت شعري من المكلّف

هذا من كلام ابن عربي، وقوله: (( ليس في الجُبّة إلا الله ) )هذا كلامه؛ ابن عربي الطائي، المعروف عند الصوفية بمحيي الدين؛ ألقابٌ غريبة (محيي الدين) ، مع هذا الكفر كله يلقّب بمحيي الدين؛ يقول الإمام ابن تيمية: جاء ابن عربي بكفر لم يعرف كفّار قريش، لأنه لم يوجد في كفار قريش من يقول: (( ليس في الجُبَّة إلا الله ) )، لا يمكن يعتقدوا مثل هذا الاعتقاد لأنهم عقلاء نوعًا ما، ولذلك إذا سُئلوا عن الله يعرفون يوحِّدون الله في ربوبيته.

هذا نفى وجود الله من حيث لا يشعر بدعوى إن الله اتّحد معه، صار هو والله شيءٌ واحد، الذي في ثوبه وفي جُبّته هو الله، أي: هو هو، ليس هناك شيءٌ آخر.

(( ومنه: شرك الملاحدة القائلين بقِدَم العالم وأبديّته ) ). هؤلاء هم الفلاسفة.

(( وأن الحوادث بأسرها مستندةٌ إلى أسباب ووسائط اقتضتْ إيجادها، ويسمونها العقول والنفوس ) ). الله خلق عقولًا ونفوسًا هي التي تتصرّف فيمن دونها بما في ذلك

(العقل الفعّال) ؛ هؤلاء هم الفلاسفة.

(( ومنه: شرك معطِّلة الأسماء والصفات كالجهمية والقرامطة وغُلاة المعتزلة ) ). ... من المثبتة، لأن الأشاعرة لأهل العلم فيهم موقفان: يطلق عليهم أنهم مثبتة نسبيًّا، أي: بالنسبة للمعتزلة حيث يُثبتون بعض الصفات، ويُطلق عليهم أنهم معطّلة نسبيًّا، أي: بالنسبة للصفات التي أوّلوها إلى حدِّ النفي وإنكار الصفات.

ولم يتعرّض المؤلِّف لهم ولا للماتورودية، وهما كمذهب واحد؛ وعلى كلٍّ هم داخلون في التعطيل من ناحية معيَّنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت