فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 168

شركٌ يتعلّق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشركٌ في عبادته ومعاملته وإنْ كان صاحبه يعتقد أنه ـ سبحانه وتعالى ـ لا شريك له في ذاته ولا في صفاته.

وأما الشرك الثاني فهو الذي فرغنا من الكلام فيه، وأشرنا إليه الآن، وسنُشبع الكلام فيه ـ إنْ شاء الله تعالى ـ.

أما الشرك الأول فهو نوعان:

أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون في قوله: {وما رب العالمين} ، وقال: {يا هامان ابن لي صرْحًا لعلي أبلُغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى وإني لأظنُّه كاذبًا} . والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكل مشرك معطِّل، وكلُّ معطِّل مشرك، لكنّ الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مُقِرًّا بالخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته ولكنه معطِّله حقَّ التوحيد [1]

(1) (( وأما الشرك الأول ) ). الشرك في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، هذا الأول.

(( فهو نوعان: أحدهما: شرك التعطيل ) ). يعني بالتعطيل: دعوى نفيُ الله

ـ تعالى ـ أو إنكار وجوده، إنكار وُجود الرب ـ سبحانه وتعالى ـ، أو إنكار صفاته، أو إنكار أسمائه وصفاته معًا.

التعطيل بالدرجة الأولى يعني به: ما قال فرعون.

ولذلك قال: (( وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون في قوله ) )تعالى فيما حكى عنه ـ عن فرعون ـ: {وما رب العالمين} الاستفهام إنكاري، أي: ما هو رب العالمين؟، أين هو؟، أي: ليس هناك ربٌّ سواي، كأنه يقول هكذا؛ لأنه قد قال: {ما علمتُ لكم من إله غيري} .

(( وقال: {يا هامان ابن لي صرْحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى وإنه لأظنه كاذبًا} ) ). قوله: {وإنه لأظنه كاذبًا} يحتمل

وجهين: {إنه لأظنه كاذبًا} في دعوى أن له ربًّا سواي، أو: إني لأظنه

كاذبًا في قوله بأن الله في السماء؛ يحتمل، والكلُّ تعطيل: الأول تعطيل بمعنى: إنكار وجود الله ـ تعالى ـ، والثاني: تعطيل بمعنى: إنكار علوّ الله ـ تعالى ـ، إنكار صفة العلو؛ الكلُّ تعطيل.

وهذا التعطيل يسمّيه المقريزي شركًا، بمعنى: مثلًا: من نفى صفةً من صفات الله ـ تعالى ـ: جعل الله كالمخلوق وإن جعل صفاته كصفات المخلوق الشرك واضح، هذا تشبيه؛ هذا فهمٌ دقيقٌ من هذا الإمام. وإنْ نفى وُجوده ـ وُجود الرب سبحانه ـ كما زعم فرعون أنه رب الناس ـ أو رب أهل مصر على الأقل ـ عند ذلك نفى وُجود الله ـ تعالى ـ؛ ما معنى الشرك في هذا؟، جعل نفسه ربًّا وشريكًا لله ـ تعالى ـ، بل أفضل لأن وُجود الله ـ تعالى ـ عنده ظنيٌّ، وإنْ كان في قرارة نفسه يعتقد بأنّ الله موجود؛ من هنا يتحقّق الإشراك، أي: نفيه هذا ليس نفيًا حقيقيًّا تمويه على الناس، ولكنه في الواقع يُثبت وجود الله ـ تعالى ـ ويجعل نفسه شريكًا لله؛ هكذا يُتصوّر كونه شركًا.

ولو كان لا يُثبت وجود الله ظاهرًا وباطنًا لا يكون ذلك شركًا بل ذلك كفْر محض كفر جحود ـ جحْد ـ؛ ولكن كيف نتصوّر أن يكون هذا شركًا إذا علمنا بأنه يعتقد في قرارة نفسه بوُجود الله ـ تعالى ـ، وإنما يُنكر وجود الله أمام الناس تمويهًا على الناس وتلبيسًا، وجعل نفسه شريكًا لله، بهذا يكون شركًا.

قال الإمام المقريزي: (( والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكلُّ مشرك معطِّل ) ). من أشرك بالله ـ تعالى ـ خلْقًا من مخلوقاته شبّه هذا المخلوق بالخالق، شبّه المخلوق بالخالق وجعله شريكًا له، وعطّل الحقيقة الإلهية، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو وحده الذي له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، إذا شبّه الشيخ بالخالق في إثبات القدرة الباهرة أو في إثبات السمع والبصر له أشرك بالله، إذا أشرك بالله عطّل حقيقة الله، الحقيقة التي هي: الانفراد: كون الله منفردٌ بصفات الكمال، لأنه أشرك هذا المخلوق في صفات الله ـ تعالى ـ.

كل مشرك معطِّل؛ الإشراك لا يتمّ إلا بالتشبيه، المشرك مشبِّه، من يدعوا غيرَ الله ويعتقد فيه أنه يراه ويسمه ويقضي حاجته شبّه هذا المخلوق بالخالق؛ وكونه وقع في التشبيه واضح.

وكيف يكون ذلك تعطيلًا؟، إذا جعل سمع الله كسمع المخلوق أو سمع المخلوق كسمع الله يُعتبر عطّل حقيقة سمع الله وحقيقة بصر الله وحقيقة علم الله.

(( وكلُّ معطِّل مشرك ) ). إذا عطّل صفات الباري كأن نفى العلم ـ مثلًا ـ أو نفى الصفات كلها كالمعتزلة، إذا عطّل هذه الصفات ألحق رب العالمين بالمخلوق الذي ليستْ له هذه الصفات ـ صفات الكمال ـ؛ شبّه، بهذا التشبيه أشرك، جعل الله ـ تعالى ـ كالمخلوق الذي لا يتّصف بهذه الصفات، لا بالسمع ولا بالبصر الكاملَيْن.

(( لكن الشرك ) )رجع مرّة أخرى يقول الإمام المقريزي: (( لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك ) )الذي يشرك بالله ـ تعالى ـ في عبادته (( مُقِرًّا بالخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته ) ). قد يُشرك بالله ـ تعالى ـ شرك العبادة وشرك المحبّة، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون معطلًا قد يُثبت؛ هذا واقعٌ بالفعل: قد يكون مقرًّا بالخالق، مقرًّا بوُجوده ـ تعالى ـ وصفاته، أي: يوحِّد الله ـ تعالى ـ في باب الأسماء والصفات، ويُشرك به في العبادة.

(( ولكنّه معطّله حقَّ التوحيد ) ). لم يوحِّده، وجعل له شريكًا، وإذا جعل له شريكًا عطّل حقّ التوحيد، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يجب أن يُفرد بالتوحيد

ـ بتوحيد العبادة ـ، من هنا يدخل التعطيل. ما أدقّ فهم هذا الإمام.

أُعيد شرح الجملة الأخيرة: (( لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل ) )ووضّح هذا بقوله: (( [إذْ] قد يكون المشرك ) )الجملة تعليليّة، كان المفروض هنا (إذْ) أو (لأن) . (( [إذْ] قد يكون المشرك مقرًّا ) ). مشركٌ بالله يعبد غيرَ الله، أو يعبد معه غيره، وفي الوقت نفسه يكون مقرًّا بالخالق كالمشركين الأولين، ويكون مقرًّا بصفاته، لا ينكر شيئًا من صفاته، ولا يشبِّه أحدًا بالله ـ تعالى ـ في أسمائه وصفاته.

(( ولكنه معطّله حقّ التوحيد ) ). أي: عطّل الله ـ تعالى ـ حقّ التوحيد، لم يوحِّده في العبادة، من هنا جاء التعطيل؛ هذا تعطيل بمعنى دقيق جدًّا. أرجوا أن يُفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت