ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة في الخاسرين} ؛ فاستمسك بهذا الأصل ورُدَّ ما أخرجه المبتدعة والمشركون إليه تتحقّق معنى كلمة (الإلهية) .
فإنْ قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله ـ تعالى ـ، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك؛ فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه، وقال: {إياك نعبد} ، وإنما أعبد هذه الوسائط لتقرّبني إليه وتدخل بي عليه [تعالى] فهو الغاية وهذه وسائل؛ فَلِم كان هذا القدر موجِبًا لسخط الله ـ تعالى ـ وغضبه ومخلِّدًا في النار وموجبًا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم، وهل يجوز في العقل أن يشرع الله ـ تعالى ـ لعباده التقرُّب إليه بالشفعاء والوسائط، فيكون تحريم هذا إنما استُفيد بالشرع فقط؟، أم ذلك قبيحٌ في الشرع والعقل يمنع أن تأتي به شريعة من الشراع؟، وما السِّرُّ في كونه لا يُغفر من بين الذنوب كما قال ـ تعالى ـ: {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ؟
قلنا: الشرك شركان [1] :
(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وفي (( مسند الإمام أحمد ) ): أنّ رجلًا أُتيَ به إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد أذنب ذنبًا، فلما وقف بين يديه، قال: (اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد) ، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( عرَف الحق لأهله ) ))) . لأن الذي يُتاب إليه الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيِّئات ويُجيب دعوة المضطّر هو الله وحده؛ هذه ليستْ وظيفة النبي حتى يتوب إليه؛ وهذا الموقف يذكِّرنا موقف عائشة ـ رضي الله عنها ـ عندما نزلتْ براءتها ذكرتْ كلامًا يُشبه هذا تمامًا: إنما تشكر الله الذي أنزل براءتها من فوق سبع سموات؛ فهكذا التوحيد.
وليس في ذلك أدنى نيْل أو تنقُّص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنّ هذا ليس من حقه بل هو حقُّ الله، لذلك قال: (( عرف الحق لأهله ) ).
ولو حصل شيءٌ من هذا أمام أولئك المتبوعين من مشايخ الطرق الذين استذلوا كثيرًا من الناس حتى عبدوهم لن يجرؤ أحدٌ أن يقف أمامهم فيقول مثل هذا القول؛ لو حصل له شيء ثم فرّج الله عنهم ليس يستطيع أن يقف أمامه فيقول: إنما أشكر الله لا أشكرك أنت أيها الشيخ؛ لن يجرأ أبدًا؛ هذا دليل على ضعف التوحيد وضعف الإيمان في نفوسهم، وأن الغلو فيهم أثّر إلى درجة أنهم يخافونهم من أن يصارحوا بمثل هذا.
قال الإمام المقريزي: (( وأخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود بن سريع، وقال: (( حديث صحيح ) ))) . هذا الحديث يبحث يحقِّق صحّته أحد طُلاّب كليّة الحديث، لأن تصحيح الحاكم وحده لا يُعتمد عليه، لكن يُبحث عن مدى صحته، والمعنى صحيح، معناه صحيح، لكن نريد أن نتأكّد من صحة ذلك، إما يرجع إلى (( المسند ) )أو يرجع إلى الحاكم ويتتبّع السند، فيأتينا بنتيجة ـ إن شاء الله ـ في مثل هذه الليلة
ـ يعني: بعد أسبوع ـ.
يقول الإمام المقريزي: (( وأما الشرك في الإرادات والنيّات فذلك البحر الذي لا ساحل له ) ). كثير جدًّا، يشبِّهه بالبحر الذي لا ساحل له.
(( وقلّ مَنْ ينجوا منه؛ فمن نوى بعمله غيرَ وجه الله ـ تعالى ـ لم يقم بحقيقة قوله
{إياك نعبد} )) . وهذا معناه يوافق ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهّاب في (( كتاب التوحيد ) ): (( باب من أراد بعمله الدنيا ) )ـ أو (( باب الرياء ) )ـ داخلٌ في هذا.
من قصد بعمله الصالح إمّا المدح والثناء ـ وهو الرياء ـ، أو قصد بعمله نيْل شيء من أغراض الدنيا وأعراض الدنيا (( لم يقم بحقيقة {إياك نعبد} ) )، لأن {إياك نعبد} هذه الآية ـ أو الجزء من الآية ـ يدعوا إلى إخلاص العبادة لله، وعدم إرادة وجه غير الله، سواء كان رياءً أو طلب الدنيا.
(( فإن {إياك نعبد} هي الحنيفية ملّة إبراهيم الذي التي أمر الله بها عباده كلهم ) ). الحنيفية فسّر المعلِّق بالتنزيه، هذا تفسيرٌ بالمعنى العام، ليس تفسيرًا لغويًّا؛ الحنيف
{حنيفًا} أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد وعن الباطل إلى الحق، أو هو معنى التنزيه؛ المهم: أن هذا تفسيرٌ بالمعنى لا تفسير لفظي، وكلامه سليم.
(( ولا يقبل من أحد غيرها ) ). الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يقبل من أحد غيرَ الحنيفية ملة إبراهيم.
(( وهي حقيقة الإسلام ) ). لأن الإسلام معناه: الاستسلام والانقياد؛ الاستسلام لله
ـ تعالى ـ بدأً من التوحيد وإخلاص العبادة، ثم إخلاص سائر الأعمال وجميع الأفعال والأقوال، مع كونها صوابًا أي: على السنة؛ هذا حقيقة الإسلام.
(( ومن يبتغ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من
الخاسرين )) . من خالف ملة إبراهيم اتّبع غير سبيل المؤمين؛ سبيل المؤمنين ينحصر في الحنيفية ملة إبراهيم وهو حقيقة الإسلام، مخالفة ذلك يُعتبر اتّباع غير سبيل المؤمين، وذلك غيرُ مقبول {وهو في الآخرة من الخاسرين} .
قال الإمام المقريزي بعد هذا: (( فاستمسك بهذا الأصل ) ). الأصل: اتّباع سبيل المؤمنين، اتّباع الحنيفية ملة إبراهيم؛ هذا هو أصل الدين، فاستمسك بهذا الأصل.
(( ورُدَّ ما أخرجه المبتدعة والمشركون إليه ) )إلى هذا الأصل، رُدَّ إليه.
(( تتحقّق معنى الكلمة(الإلهية ) )) بذلك؛ معنى الرد: أن نَعْرِض كل ما يفعله وما يقوله المبتدعة والمشركون نعرض على هذه الملة، ما وافق هذه الملة قُبل وما لا فرُدَّ؛ هذا معنى الرد.
قال الإمام المقريزي: (( فإن قيل: المشرك إنما قصد بإشراكه: تعظيم جناب الله
ـ تعالى ـ، وأنه [سبحانه] لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك )) . هذه الجملة صاغها أخذًا من وضع جمهور المسلمين في وقته ومستمرٌّ هذا الوضع وهذا المعنى بين جمهور المسلمين في كثير من الأقطار إلى يومنا هذا: اعتقاد عوام المسلمين بأنهم ليسوا أهلًا بأن يعبدوا الله مباشرةً ويدعوه، بل يصرِّحون بهذا: يقولون: نحن ملوّثون، لا بد أن نقدِّم بين يدي الله ـ تعالى ـ أناسًا صالحون وطاهرون ومقرّبون؛ وهذا هو معنى قول المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زُلفى} تمامًا وبعينه.
سبحان الذي فتح على هذا الإمام هذا الفهم في ذلك الوقت.
انتبهوا لهذا الاستفهام مهمٌّ جدًّا: (( فإنْ قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله
ـ تعالى ـ )) بإشراكه واتخاذ الوسطاء والشفعاء، (( وأنه ـ تعالى ـ لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك ) ). شبّهوا بالملوك؛ الملوك والرؤساء والعظماء إنما يدخل الإنسان عليه لتُقضى حاجته عنده بالشفعاء والوُسطاء؛ لا يقوى إنسانٌ عادي من عوام المجتمع والشعب أن يصل إلى ذلك الباب ليشكوا حاجته ويطلب قضاء حاجته ويطلب طلبه، لكن يوسِّط، قد تكون الوساطة طويلة، يبدأ بالصغير الذي يليه، وذلك يوصِّله إلى أنْ يصل إلى الوزير، ثم يصل إلى من فوقه؛ هكذا شبّهوا الله ـ تعالى ـ بالملوك والعظماء والرؤساء؛ وهذا التشبيه من باب تشبيه الخالق بالمخلوق، تشبيه الخالق العالم بالسر القادر على كل شيء الذي بيده كل شيء الذي يعلم سرائر العباد كما يعلم ظواهرهم تشبيه بالملوك الذين لا يعلمون من الناس شيئًا إلا بواسطة غيره.
فالمشرك ـ إذًا ـ لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه؛ وهل هذا القصد الحسن، هذه النية الطيِّبة ـ نية التعظيم ـ هل تنفعه؟
(( وقال: {إياك نعبد} ) ). هذا المشرك يقول: {إياك نعبد} .
(( وإنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه [تعالى] ، وتَدْخل بي عليه [تعالى] ؛ فهو الغاية وهذه وسائل ) ). إذا كان الله هو الغاية وهذه وسائل، إذًا: في الحقيقة لم أعبد إلاّ الله، وبذلك صرت حقّقت معنى {إياك نعبد} حيث اعتبرت أن الله هو الغاية ومَن دونه من الوسائط إنما هم وسائل.
إذا كان الأمر كذلك (( فلم كان هذا القدر موجبًا لسخط الله ـ تعالى ـ ) ). إذا كان الإنسان لم يقصد مَنْ دونه قصد الغاية، ولكن قصَد قصْد الوسائل لماذا كان هذا القدْر موجِبًا لسخط الله ـ تعالى ـ (( وغضبه ومخلِّدًا في النار، وموجبًا لسفْك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟، وهل يجوز في العقل أن يَشْرَع الله ـ تعالى ـ لعباده التقرُّب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استُفيد بالشرع فقط ) ). أي: هل هذا ممتنعٌ عقلًا وشرعًا؟، أو إن العقل لا يمنع ولكن استُفيد هذا من الشرع فقط؟، (( أم ذلك قبيح في العقل والشرع معًا؟، يُمنع ) )عقلًا وشرعًا (( أنْ تأتيَ به شريعة من الشرائع؟ ) )؛ سؤال طويل، (( وما السر ) )ـ أيضًا ـ بعد الجواب على هذا، (( ما السر في كونه لا يُغفر ) )الشرك لا يُغفر (( من بين الذنوب كما قال ـ تعالى ـ:
{إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} )) الموبقات كثيرة من أفظعها: قتل النفس؛ كلُّ ذلك محل الغُفران؛ لماذا كان الشرك لا يُغفر؟، (( قلنا: الشرك شركان ) )الجواب على هذه التساؤلات كلها: (( الشرك شركان: شركٌ يتعلّق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله ) )أن تجعل له شريكًا في ذاته، أو في أسمائه وصفاته وأفعاله. النوع الثاني: (( وشرك في عبادته ومعاملته، وإنْ كان صاحبه يعتقد أنه
ـ سبحانه وتعالى ـ لا شريك له في ذاته ولا في صفاته )) يوحِّد الله ـ تعالى ـ في ذاته، لا يُثبِت ذاتًا تُشْبه ذات الله، (( ولا في صفاته ) )لا يُشرك بالله ـ تعالى ـ في صفاته، بل يوحِّد الله ـ تعالى ـ في صفاته، ولكن يُشرك بالله ـ تعالى ـ في عبادته؛ هذا حال كثيرٍ من الناس.
(( وأما الشرك الثاني فهو الذي فرغنا من الكلام فيه ) )الشرك في العبادة (( وأشرنا إليه الآن ) )مع أننا فرغنا منه، لأنه سبق أن عدّد أنواع العبادة وأنها محْض حق الله ـ تعالى ـ، يشير إلى ما تقدّم (( وسنُشبع الكلام فيه ـ إنْ شاء الله تعالى ـ ) )ـ رحمه الله ـ. عرفنا أن الشرك شركان: الشرك في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ قد يقع في هذا من هو موحِّدٌ في باب آخر. وشركٌ في عبادته ومعاملته، وإنْ كان صاحبه يعتقد أنه
ـ سبحانه ـ لا شريك له لا في ذاته ولا في أسمائه أو في صفاته ـ.
بل الذي يقع فيه كثيرٌ من المنتسبين إلى العلم: إما الجمع بينهما، أو إفراد الله
ـ تعالى ـ بالعبادة والتخبُّط في باب الأسماء والصفات، ويحصل العكس.