يكون محقق الوجود في الخارج. لكنه لا يخلو عن تكلف ارتكاب خلاف الظاهر. وأما (حب) فيجوز أن يكون مأخوذا من قولهم: حبه يحبه بالكسر، فهو محبوب. قال الشاعر:
أحب أبا مروان، من أجل تمره*
فيكون العائد إلى الموصول أو الموصوف محذوفا، والضمير المستتر فيه عائد إلى الموصول الأول. ويجوز أن يكون مأخوذا من قولهم: حب يحب على تقديره بالضم، فيكون لازما، فالضمير المستتر فيه راجع إلى التالي. وأما فائدة تغير الأسلوب، وترك العاطف على تقدير أن يكون الضمير المنصوب راجعا إلى الفوائد، فهي التنبيه على أن العمل على هذا النسج المقبول متقدم على الأوصاف المذكورة، لكنه قدمها عليه لكونه أنسب بالمقام. فاعلم أن المحبة تتضمن معنى العشق والشوق. فلأجل هذا اختاره ههنا. على أن في ذلك صنعة التجنيس، كما في قوله تعالى: {لكل همزة لمزة} . ولما وصفت تلك الفوائد بما لا مزيد عليه، وكانت أمرا معتدا به، واستحقت أن تسمى باسم مناسب لتدعى به عند الحاجة، قال: وسميتها أي: تلك الفوائد بالإعراب مبالغة كما في قولهم: رجل عدل، لأن هذه الرسالة لها مزية اختصاص بمعرفة الإعراب، كما يشهد لها مطالعة أبحاثها.
قوله: عن قواعد الإعراب: متعلق بـ (الإعراب) باعتبار معناه اللغوي [الذي هو الإبانة، وإن لم يكن ذلك المعنى مقصودا منه ههنا] . وأما المراد من الإعراب الثاني - أعني المضاف إليه - فمعناه الاصطلاحي، بحسب اعتبار التركيب الإضافي. ففي هذا القول رعاية صنعة الجناس التام اللفظي، مع رعاية الجناس الخطي، كما في قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} . وقد وقع ههنا في بعض النسخ: (بالإغراب) بالغين المعجمة، بدل قوله: (بالإعراب) بالعين المهملة. واشتهر هذا، وحكي عن المصنف كذلك. فالأمر على هذا هين. فإن قلت: لا شك أن المراد من المسمى بالإعراب أمر واحد شخصي، لكن المسمى به متعدد في الواقع. فما تحقيق شخصته ووحدته؟ قلت: التحقيق أن لا تعتبر في تشخص الكتاب خصوصية المحل. فحينئذ يكون المسمى به واحدا في الواقع. فتفكر. فإن قلت: كل قاعدة من قواعد الإعراب مكتسبة من الجزئيات لأنها استقرائية، والجزئيات مكتسبة منها، فتدور، قلت: هذه الشبهة غير واردة، لأنها تصادم الضرورة. فإنا نعلم بالضرورة أن قواعد النحو واقعة، وكذا اكتساب أحكام الجزئيات منها. فلو كان الدور واقعا ههنا لما حصل ذلك العلم الضروري.
على أنا نقول: نحن محتاجون إليها في معرفة أحوال أقوالنا، لا في جزئيات كلامهم. [فإنهم] بسليقتهم عن الاحتياج إليها، وعن وقوع الخطأ فيها، بمراحل. فهذه الجملة معطوفة على جملة (عملتها) . فالمناسبة بينهما ظاهرة، كنار على جبل. ثم لما كان تحصيل الأمور مختصا بعون الله، وإرشاده، قال: و: هي للاعتراض، كما في قوله تعالى: {وأنتم معرضون} ، ويحتمل الحال، من الله، لا من غيره، قدم على عامله للحصر. قال تعالى: {وما توفيقي إلا بالله} .
أستمد أي: أطلب المدد. فإن قلت: إذا كان المدد مطلوبا فما الفائدة في كون التوفيق مطلوبا؟ قلت: فائدته قصد سلوك إلى طريق التصريح بما علم ضمنا، إشعارا بأنه أمر جليل. وقيل: الاستمداد استعمل ههنا لمجرد الطلب، مجازا. وإنما جيء بصيغة المضارع لقصد استمرار طلب المدد، بقرينة احتياج العبد إلى مولاه. وأما فائدة الإخبار عن الاستمداد ههنا فهي دفع توهم التبجح الحاصل بما سبق.