الصفحة 8 من 127

تطلعه أي: توقف تلك الفوائد متأملها. من قولهم، أطلعت فلانا على سري، إذا أوقفته عليه. أي تجعله مشاهدا على النكت الكثيرة فلأجل هذا اختاره على أن يقول: تعلمه. في الأمد - يقع على المدة كلها، وعلى آخرها، وكذا الغاية والأجل. لكن المراد منه ههنا جميع المدة أي: جميع وقت تحصيل هذا الكتاب. فتكون الألف واللام للعهد. فاستعماله يتضمن المبالغة والإيهام. فتأمل- القصير في نفسه، أو بالنسبة إلى وقت تحصيل غير هذا الكتاب. فالمقصود الزمن القليل والوقت اليسير. على نكت: متعلق بـ (تطلع) جمع نكتة، كالنقط جمع نقطة. والنكتة في اللغة: كل نقطة من بياض في سواد، وبالعكس. قال الجوهري: (النكت: أن تنكت في الأرض بقضيب، أي: أن يضرب فيؤثر فيها) . ونكت كل شيء: لطائفه. والمراد منها ههنا الفوائد العلمية الدقيقة التي تستخرج بدقة النظر. ووقع في بعض النسخ: (على كثير) مقام (على نكت) . لكن الأولى هي أولى. كثيرة في نفسها، أو بالنسبة إلى الغير. من الكثرة نقيض القلة. ولا تقل: الكثرة، بالكسر. فإنها لغة رديئة. من الأبواب: جمع باب. وهو ههنا بمعنى النوع. فيكون المراد أنواع الإعراب وقواعدها. فيكون صفة ثانية لـ (نكت) ، فيكون (من) للبيان. فإن قلت: النكت جمع كثرة. فلم وصف بجمع القلة؟ قلت: لأن جمع القلة ههنا مجازًا عن الكثرة، بمعونة المقام، وفائدته إبهام الجمع بين المتقابلين ويجوز أن يكون (من) ههنا بمعنى (في) فتكون (الأبواب) عبارة عن الأبواب الأربعة. فالألف واللام حينئذ للعهد أيضا. فإن قلت: ما معنى إطلاع الفوائد على النكت؟ فإنها عينها قلت: الفرق بينهما جلي. فإن المراد من الفوائد قواعد علم النحو، على سبيل الضبط والاختصار، والمراد من النكت الدقائق التي استنبطها بجودة قريحته، فتكون غيرها. ويجوز أن يكون الأمر الواحد معبرا عنه بعبارات مختلفة، بحسب اختلاف الاعتبارات، كالقضية تعتبر تارة بالخبر وأخرى بالنتيجة. فسمي المعاني بالفوائد لكونها مستفادة من الألفاظ، وأخرى بالنكت لكونها مستنبطة بدقة نظر العقل. هذا ولما وصفها بالوصفين المذكورين أراد أن يزيد الرغبة فيها، ويشبهها بأمر مقبول لذوي العقول، فقال: عملتها، بكسر الميم. وأما عمل بالفتح فاسم رجل. يقال: رجل عمل بالكسر وعمول، إذا كان مطبوعا على العمل. أي جعلت تلك الفوائد لطلبة العلم، كما جعل الطبيب الحاذق الأدوية النافعة لمحبوبه. ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعا إلى (النكت) فإنه أقرب وأنسب للعمل. عمل من طب، في صرف غاية الجهد في تحصيل الأمر بالإخلاص. وأما الغرض من التشبيه فتحصيل العلوم لهم، وإزالة الجهالات عنهم. فإنها على النفوس كالأمراض على الأبدان. وأما فائدة حذف أداة التشبيه فقصد المبالغة فيه، مع الاختصار. وأما (طب) فمأخوذ من الطب الذي هو علاج الداء. فيكون إطلاق المطبوب على المسحور من باب إطلاق السليم على اللديغ. وقال ابن الأنباري: (الطب من الأضداد. يقال لعلاج الداء: طب، وللسحر طب) . فالطبيب هو العالم بالطب، وكل حاذق طبيب، عند العرب. واللام في قوله: (لمن حب) تتعلق بالعمل. ويجوز أن تتعلق بـ (طب) ، كما جاء في المثل: (إن كنت ذا طب فطب لعينك) فإن قلت: كيف يصح هذا، مع أن الأطباء قد قالوا: إن الأب لا يطب ولده، والمحب لا يطب محبوبه، والعاشق لا يطب معشوقه؟ قلت: الغرض من هذا القول بيان كمال شفقتهم لهم، لا الإخبار عن عدم علاجهم لهم. فإن ذلك خلاف الواقع. فكيف لا، والحال أن العلاج يجب أن يرجى منه الشفاء نافع، لذيذ يتضمن منافع، مع أن ترك المنافع الكثيرة، لأجل ضرر قليل، لشر كثير. وذا لا يجوز. أو أن يكون المراد منه ينبغي ألا يصدر منهم العلاج لهم. وقيل: التقدير عمل من طب، إن قدر فأصاب، لمن حب. أقول: هذا صحيح من جهة المعنى. فإن المشبه به لا يحب أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت