الصفحة 7 من 127

والمراد ههنا ما يكون إحدى مقدمتي الدليل، كقولنا: كل ما اشتمل على علم الفاعلية فهو مرفوع، وكل ما اشتمل على علم المفعولية فهو منصوب، وكل ما اشتمل على علم المضاف إليه فهو مجرور.

فإذ أردنا الاستدلال بصورة القياس الاقتراني، على أن (زيد) في قولنا: (زيد قائم) مرفوع مثلا، فتقول: زيد مشتمل على علم الفاعلية، وكل ما اشتمل على علم الفاعلية فهو مرفوع. فزيد مرفوع. وإذا قصدنا الاستدلال بالقياس الاستثنائي عليه فنقول: كل ما لم يكن زيد مرفوعا لم يشتمل على علم الفاعلية لكنه مشتمل، فيكون زيد مرفوعا. وعلى هذا فقس.

الإعراب. وهو في اللغة: الإبانة والتحسين. فتعدية الأول بكلمة (عن) وتعدية الثاني بالهمزة. وقيل: هو مأخوذ من قولهم: امرأة عروب أي: محبوب كلامها. لا شك أن الإعراب إذا وجد في آخر الكلمة يكون الكلام مقبولا عند المخاطب. وقيل أخذ من قولهم: عربت معدة الفصيل أي: فسدت، وأعربتها أي: أزلت فسادها. فتكون الهمزة للسلب، كما في أشكينه. وأنت خبير بإن الإعراب مزيل فساد التباس المعاني بعضها ببعض. ألا ترى أنك لو قلت: (ما أحسن زيد) بلا إعراب لم يظهر عند السامع أن المقصود من أي المعاني، من الاستفهام والتعجب والنفي؟ فلأجل ذلك يسمى إعرابا.

هذا. ثم اختلف النحاة في أن الإعراب في الاصطلاح معنوي أم لفظي، فذهب البعض إلى الأول ففسروه باختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل، لفظا أو تقديرا. وهو ظاهر قول سيبويه، واختار الأعلم. فيكون الحركات وما يقوم مقامها دلائل الإعراب عندهم. وذهب الآخرون إلى أن الإعراب لفظي يعلم بالحس، فقالوا: الإعراب ما حصل به الاختلاف المذكور. وهو مذهب أبي علي وابن الحاجب فتكون الحركات وما يقوم مقامها نفس الإعراب عندهم.

لكن إذا رجعت إلى الإنصاف والوجدان تجزم بأن الحق الحقيق بالقبول هو ما ذهب إليه ابن الحاجب -فإن الاحتياج إلى الإعراب إنما هو لأجل ضرورة تمييز المعاني. فمعلوم أن التمييز إنما يكون بالحركات، لا بالاختلاف-مع أنه خال عن التكليف. فإن قلت: ما معنى قوله: (أما بعد فهذه فوائد) إلى آخره؟ فإن تعليق هذا الحكم بأول الكلام غير ظاهر. قلت: الغرض منه الإعلام بأن تلك الفوائد أمر يهتم بتحصيلها بعد الحمد، ترغيبا فيها واعتناء بشأنها، فيزداد نشاط الطالب حينئذ، فيحصل السعي البليغ، فيفوز بالمطلوب.

تقتفي أي: تختار هذه الفوائد- مأخوذ من قولهم: فلان اقتفى الأمر، إذا اختاره- لمتأملها. الضمير المجرور فيه راجع إلى (فوائد) ، أو إلى (قواعد) . بل هو أولى وأحسن. فاللام فيه للتعدية أو للتعليل. وقد وجد في بعض النسخ الباء في مقام اللام، ووجدنا في بعضها (متأملها) بدون حرف الجر، على أنه فاعل (تقتفي) . فحينئذ يكون مأخوذا من قولهم: فلان اقتفى أثر فلان، إذا اتبعه. ومنه قوافي الشعر، لأن بعضها يتبع أثر بعض. وأسند الفعل إلى الفوائد مجازا، لأجل المبالغة، كما في قوله تعالى: {عيشة راضية} . ففي ذكر التأمل دون القراءة والحفظ، تنبيه على أن العمدة العظمى في نيل تلك الفوائد هي التفكير لا مجرد القراءة والحفظ كما هو دأب بعض الناس. يقال: تأملت الشيء إذا نظرت إليه [متبينا له] . جادة-معظم الطريق. و جمعه الجواد. مأخوذ من قولهم: فلان جد فينا، إذا عظم في أعينهم. وفي المثل (من سلك الجدد أمن العثار) . فالمراد منه القواعد المحررة على أحسن التحرير، فيكون استعارة-الصواب: نقيض الخطأ مطلقا. لكن المراد منه نقيض الخطأ بمعنى الباطل فيكون بمعنى الحق. فلا جرم أن من سلك الطريق المستقيم ليأمن من الضلال، ليفوز بالمطلوب. فمحل جملة (تقتفي) مرفوع، على أنها صفة لـ (فوائد) . فالمقصود من هذه [الأوصاف] التحريض والترغيب في كتابه من جهات شتى. و: هي لعطف هذه الجملة على جملة (تقتفي) -فالمناسبة بين الجملتين كالمناسبة بين الشجرة والثمرة-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت