التوفيق: وهو في اللغة جعل الأمر موافقا لآخر، وفي العرف جعل الله شأن عبده موافقا للحق والصواب. وأما ما قيل من أنه تهيئة أسباب الخير وتنحية أسباب الشر، ومن أنه الأمر المقرب إلى السعادة الأبدية، ومن أنه جعل الله - تعالى - أفعال عبده الظاهرة موافقة لأوامره، مع بقاء اختياره فيها، مع جعل ثبات قلبه موافقا لما يحبه، فمآله راجع إلى ما قلنا. والهداية: معطوف على (التوفيق) عطف الخاص على العام كعطف جبريل على الملائكة. ويجوز أن يكون من قبيل عطف العام على الخاص. وهي في اللغة الدلالة بلطف. ولذلك تستعمل في الخير. وأما قوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} فوارد على طريق التهكم. ثم المشهور عند أهل الحق، أن الهداية هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب، سواء حصل الوصول أو لم يحصل، وعند المعتزلة هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب. هذا. فالظاهر أنه لا نزاع بينهم في الحقيقة، لأن الهداية تجيء تارة بمعنى خلق الاهتداء، كما في قوله تعالى: {يهدي من يشاء} . فلذلك نفى الهداية في قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} . وأخرى تجيء بمعنى بيان طريق الحق والصواب. فلهذا نسب الهداية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله، تعالى: {إنك لتهدي إلى صراط مستقيم} . فكل واحدة من الطائفتين قد قصدت معنى غير ما قصدته الأخرى. إلى أقوم طريق أي: إلى طريق مستقيم. وهو سبيل الحق. وقد يتعدى باللام، كما في قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} . فعومل في قوله، تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} معاملة (اختار) في قوله، تعالى: {واختار موسى قومه} . ففي هذا القول إشارة إلى أن الهداية هي الدلالة إلى طريق الحق، وتلويح إلى أن الضلالة هي الدلالة إلى طريق الباطل. وأما جعل هذا القول كناية عن سرعة الوصول إلى المطلوب، بناء على قاعدة أن الخط المستقيم أقصر من الخط المنحني، فهو بعيد عن الفهم. نعم فيه إيماء إلى حصول المطلوب، لكن الفرق بين المعنيين ظاهر.
بمنه: بإنعامه - مأخوذ من قولهم: من عليهم منا، إذا أنعم. وأما المن الذي وقع في قول الزمخشري: (طعم الآلاء أحلى من المن، وهو أمر من الألاء عند المن) فهو مأخوذ من قولهم: من عليه منة، إذا امتن عليه. وهذا يصلح أن يكون من باب التنازع، وإعمال الثاني على مذهب البصريين - وكرمه. هو نقيض اللؤم. وعطف هذا على المن عطف تفسير. ثم لما قصد زيادة الحث للطالب، على تحصيل كتابه، قال: وتنحصر أي: تلك الفوائد و القواعد. فإن قلت: الكلام في الفوائد لا في القواعد. فكيف يرجع الضمير إليها؟ قلت: الفوائد هي عين القواعد في الحقيقة. ألا ترى إلى قوله: (وسميتها بالإعراب عن قواعد الإعراب) ؟ وهو من قبيل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( الثيب تعرب عن نفسها ) ). وقد وقع في بعض النسخ (ينحصر) بالياء التحتانية. فحينئذ يرجع الضمير إلى الكتاب. فإنه مذكور ضمنا، لأنه في صدد تصنيفه وتأليفه. في أربعة أبواب. فهذا الانحصار هو انحصار الكل في أجزائه مثل انحصار البيت في الجدران الأربع والسقف. فإن قلت حصر الكل في الأجزاء لا يتصور، لأن الحصر هو جعل الشيء في محل محيط به. فالمحيط حاصر، والمحاط به محصور مظروف، وشأن الكل مع أجزائه على العكس. فإن الكل محيط بالأجزاء. فكيف يكون محصورا فيها؟ قلت المراد من الكتاب هو المفهومات، ومن الأبواب الأربعة هو العبارات، بناء على أن الألفاظ قوالب المعاني وظروفها، ويجوز أن يراد من انحصار الكتاب في الأبواب الأربعة انحصاره بحسب اعتبار أجزائه فيها. على أن الحق هو أن يكون المراد من الانحصارالمذكور ههنا هو انحلال الكل إلى ما منه تركيبه. وأنت خبير بأن المراد من انحصار الكتاب فيها انحصار مقصوده فيها. فلا يضره خروج الخطبة عنها. ووجه الضبط هو أن يقال: مقصود الكتاب لا يخلو من أن يكون متعلقا ببحث الجملة أو لا. فالأول في الباب الأول. وإن كان الثاني فلا يخلو من أن يكون. متعلقا ببيان مكملات الأفعال -أعني