الصفحة 11 من 127

الجار والمجرور-أولا. فالأول هو الباب الثاني، والثاني لا يخلو من أن يكون متعلقا بالكلمات، أو بالاصطلاحات. فالأول هو الباب الثالث، والثاني هو الباب الرابع. وجملة (تنحصر) معطوفة على جملة (يقتفي) . ثم لما ذكر الباب أولا، فأراد أن يعيده على سبيل التعريف العهدي، قال:

الباب: قيل: هو في اللغة النوع، وفي الاصطلاح هو الموصل إلى المقصود. وقيل: هو موضع الدخول. لكن المراد منه ههنا هو العبارات المعينة المحدودة الدالة على المعاني المخصوصة. الأول هو نقيض الآخر. أصله (أوأل) على وزن (أفعل) ، قبلت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت الواو في الواو. وقيل: أصله (ووءل) ، فقبلت الواو الأولى همزة ثم قبلت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت الواو في الواو أيضا. وله استعمالان: أحدهما أن يكون اسما بمعنى قبل. فحينئذ يكون منصرفا منونا. ومنه قولهم: أولا وآخرا. أن يكون صفة أي (أفعل) التفضيل بمعنى الأسبق، فيكون غير منصرف، لوزن الفعل والوصف في تفسير الجملة. ووقع في بعض النسخ (الجمل) - وهي جمع جملة - موقع (الجملة) . لكن الأول هو الأصح. وبيان أحكامها. فالمراد منها ههنا كونها اسمية، وفعلية، وشرطية، وظرفية، وابتدائية، واعتراضية، إلى غير ذلك الذي ينبني عليه هذا الباب. وإنما قدم هذا على سائر الأبواب، لأن المقصود من ترتيب هذا الكتاب تعليم الإعراب. ولا شك أنه يحصل من هذا الباب على وجه، لا يكون في بقية الأبواب، إذ فيه بيان إعراب محل الجمل، الذي هو أصعب وأنفع من بيان إعراب المفرد. فلأجل هذا ترك تعريف الكلمة، مع أن الجملة لا تتم إلا معها. اعلم أن الخائض في هذا الكتاب ينبغي أن يتصور النحو والغرض منه، قبل الشروع فيه. فنقول: النحو في اللغة يجيء لمعان: بمعنى القصد وبمعنى الجانب، وبمعنى النوع، وبمعنى المقدار، وبمعنى المثل، وبمعني البعض. فنقول: نحوت نحوك أي: قصدت قصدك، وسرت إلى نحو دار فلان أي: إلى جانبها، وعندي ثلاثة أنحاء من الطعام إذا كان عندك ثلاثة أنواع منه وجاء جيشه نحو ألف إذا كان مقدار ألف، ومررت برجل نحوك أي: مثلك، وأكلت نحو السمكة أي: بعضها. وهو في الاصطلاح علم بأصول، يعرف بها أحوال أواخر الكلم، من جهة الإعراب والبناء. فالظاهر أنه منقول من النحو بمعنى القصد، لما اتفق العلماء على أن أبا الأسود الدؤلي أول من وضع هذا العلم، بإذن علي -رضي الله تعالى عنه - كما اتفقوا على أن معاذا أول من وضع التصريف. والسبب في ذلك الوضع أنه، لما سمع رجلا يقرأ: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بكسر اللام، جاء إلى علي فقص ذلك عليه، فقال: هذا من مخالطة العرب بالعجم. ثم قال: الفاعل مرفوع وما سواه ملحق به، والمفعول منصوب وما سواه ملحق به، والمضاف إليه مجرور وما عداه ملحق به. فقال له: انح إلى هذا. فلأجل هذا سمي هذا العلم نحوا، تبركا وتيمنا بلفظه. وأما الغرض منه فمعرفة الإعراب. وأن تعلم هذا العلم واجب، لأن تعلم الشرائع بلغة العرب لا يتم إلا به. وكل ما لا يتم تعلمها إلا به فهو واجب. فإن قلت: الاشتغال بهذا العلم، بهذه الاصطلاحات، بدعة. فإن الصحابة لم يتكلموا فيه. وكل بدعة حرام. فالاشتغال بهذا العلم حرام. فكيف يكون واجبا؟ قلت: إن أردت به أنهم ما عرفوا معاني هذا العلم فذلك باطل. فكيف لا، والإجماع انعقد على أن سيبويه والأخفش والخليل وغيرهم اشتغلوا فيه، وتمسكوا به؟ حكي أن ابن عباس لما سئل عن قوله، تعالى: {فالحق والحق أقول} بأنه لم رفع الأول ونصب الثاني؟ قال: أي هو الحق وأقول الحق. وإن أردت بذلك أنهم ما عبروا عن تلك المعاني، بهذه الألفاظ والاصطلاحات، فذلك مسلم. ولكن ذلك لا يوجب القدح فيه. فإن الاعتبار للمعاني لا للصور والمباني، كما في سائر العلوم، وإن العلماء اتفقوا على أن تعلم النحو فرض من فروض الكفاية. قيل فرض الكفاية هو الذي إذا قام به واحد سقط التكليف عن الباقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت