الصفحة 12 من 127

ومعلوم أن هذا العلم ليس كذلك. فإنه يجب في كل عصر أن يقوم بهذا العلم قوم، يبلغون حد التواتر لأن معرفة الشرع لا تحصل إلا بواسطة معرفة اللغة والنحو، والعلم بهما لا يحصل إلا بالنقل المتواتر. أقول: اشتراط التواتر في النقل لا يستلزم أن المقيمين بهذا العلم يبلغون حد التواتر. ألا ترى أن التواتر شرط في نقل القرآن، مع جواز عدم ضبط معناه؟ ثم لما كان الباب الأول مشتملا على أمور فصله على أربع مسائل، تقريبا للفهم والضبط، كما قسم الكتاب على أربعة أبواب، فقال: وفيه أي: في الباب الأول من الأبواب الأربعة أربع مسائل: جمع مسألة. وهي ما يبرهن عليه في العلم. بعضها ما يتعلق بتفسير الجملة، وبعضها يتعلق بأقسامها وبيان أحوالها.

أما المسألة الأولى، من المسائل الأربع، ـفي شرحها أي: في بيان الجملة وأحوالها، كما يدل عليه سياق الكلام. فيكون المراد من شرحها ههنا تعريفها، وتبيين النسبة بينها وبين الكلام بالعموم والخصوص، وبيان تسميتها بالاسمية والفعلية والجملة الصغرى والكبرى وتقسيمها إليها. فحينئذ سقط الاعتراض بأن بيان النسبة بالعموم والخصوص وغيره ليس من شرح الجملة، بناء على تخصيصه بالتعريف الكاشف عن ماهيتها، فقط.

ثم لما كانت الأبحاث المذكورة ههنا من المباحث الدقيقة، وكان المقام مقام التعليم، قال: اعلم - تحضيضا للسامع على الإصغاء إلى ما يأتي بعد هذا الأمر، لئلا يفوت منه شيء -أن اللفظ: هو صوت يعتمد على مخرج الحروف. وهو كالجنس يتناول جميع الألفاظ. وأما عدم إطلاق اللفظ على كلام الله -تعالى - فلرعاية الأدب، ولعدم الإذن الشرعي. فهذا الاعتذار إنما احتج إليه. إذا كان المراد من كلام الله هو الكلام اللفظي. وكذا الكلام في عدم إطلاق الجملة عليه. المفيد: هو كالفصل، أخرج به الألفاظ المفردة، والمركبات التقييدية والإضافية، وغير ذلك. فدخل في التعريف المركب الخبري والإنشائي. فالمراد من اللفظ المفيد ههنا هو اللفظ المركب من كلمتين فصاعدا، أسند إحداهما إلى الأخرى مطلقا. سواء كان خبريا أو إنشائيا. يسمي أي: يطلق عليه الجملة والكلام. وإلا فهما يكونان مترادفين، فلا يمكن بيان النسبة بينهما بالعموم والخصوص. كلاما، اصطلاحا. وهو في اللغة بمعنى التكليم، كالسلام بمعنى التسليم، يقع على القليل والكثير. فلهذا يصح أن يقال: جميع القرآن كلام الله. قيل: لم تطلق الجملة على جميع القرآن، لأنها اسم مفرد، بمنزلة الهمزة، لا يقع إلا على الواحد. فالأولى أن يقال: إن الجملة تشعر بمعنى التركيب الدال على الأجزاء والحدوث، ويؤذن بمعنى الإجمال. فلما كانت الفائدة تجيء بمعنى الفائدة الجديدة، وبمعنى مطلق الفائدة، وبمعنى الفائدة التامة التي يحسن السكوت عليها، فسره بقوله: ونعني بالمفيد أي: النحاة يعرفون الكلام بالتعريف المذكور فيريدون بفائدة المفيد الفائدة التامة، لا مطلق الفائدة، كما هو متفاهم اللغة والعرف والعام. ما أي: الذي يحسن السكوت: أي سكوت المتكلم- فإنه خلاف التكلم. فكما أن التكلم صفة المتكلم يكون السكوت صفته أيضا. وقيل سكوت السامع أو سكوتهما جميعا -عليه أي: على ذلك الأمر. فدخل في تعريف المفيد نحو قولنا: السماء فوقنا، والأرض تحتنا. والمراد من حسن سكوت المتكلم على اللفظ المفيد ألا يكون ذلك اللفظ محتاجا في إفادته للسامع، كاحتياج المحكوم عليه إلى المحكوم به، أو بالعكس. فلا يضر احتياجه إلى المتعلقات من المفاعل. فإن قلت هذا دفع بالعناية وهو غير مقبول. فإن الإيرادات لا تبطل بالإرادات. قلت: إنه مقبول لأن حسن السكوت ما فسر عندهم إلا بهذا التفسير. فيكون ظاهرا غير ملتبس للمعنى، وإن كان أعم من ذلك بحسب اللغة. وكذا الحال في تفسير المفيد. ثم المفردات قبل التركيب هي في حكم النعيق عندهم لخلوها عن الفائدة. وأما إذا ركبت على قواعد النحو فخرجت عن حكمه، وأفادت فائدة معتبرة. لكن لا يلزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت