من ذلك أن يكون كلاما. فإنه هو الذي اعتبر فيه الفائدة التامة، لا مطلقها. وأما الجملة فهي القول المركب، سواء أفاد تلك الفائدة التامة أو لم يفد. واعلم أن الجملة أعم عموما مطلقا، بحسب موارد استعمالها ومفهومها، من الكلام. فإن قلت الأعم ههنا (أفعل) التفضيل، فيثبت للكلام أصل العموم، وإن لم يحصل له زيادة. ألا ترى أن الكلام يطلق على القرآن، ولا تطلق عليه الجملة؟ قلت: الأعم ههنا بمعنى العام. فتكون (من) لمجرد الابتداء على أن للكلام نوع عموم، بالنظر إلى موارد استعماله، فتكون (من) للتفضيل. فإن قلت: المراد من مطلق العموم، سواء كان مطلقا أو من وجه. قلت: يمنع ذلك قوله: فكل كلام جملة بمعنى: كل ما صدق عليه الكلام صدق عليه الجملة، ولا ينعكس عكسا لغويا أي: ليس كل جملة كلاما. هذا. ونقل البعض عن النحاة أن الجملة ترادف الكلام عندهم. فالحق ههنا هو الرجوع إلى تفسير الجملة. فإن اعتبر الإفادة فيها أيضا فلا يتصور العموم والخصوص بينهما أصلا، وإن اعتبر التركيب فيها، سواء أفاد أو لم يفد، فتتصور النسبة بالعموم والخصوص بلا شبهة. فإذا لا نزاع بينهم، في الحقيقة، إذ لا مشاحة في الاصطلاح فـ {كل حزب بما لديهم فرحون} . لكن المختار هو الترادف. فإنك تعلم، بالضرورة، أن كل مركب لا يطلق عليه الجملة. نعم قد استعمل الكلام بمعنى القضية والخبر، في بعض المواضع، كما هو دأب أهل المعقول، فيكون أخص من الجملة فينظر من ذلك أنه أخص منها إذا كان بمعنى اللفظ المفيد. ثم لما فرغ من تمهيد الأصل، ومن التفريع عليه، أراد توضيح ذلك، لا الاستدلال عليه حتى يؤدي إلى الدور وإثبات القاعدة الكلية بالمثال الجزئي. فلهذا قال، على سبيل التوبيخ: ألا ترى أن نحو (قام زيد) -فنحو ههنا كمثل في قولك: (مثلك لا يبخل) مع الإماء إلى أن جملة الشرط كثيرة الوقوع، ولها جزئيات متعددة - من قولك. وقع في بعض النسخ (قولنا) مقام (قولك) . فالثاني مناسب لقوله: (ونعني بالمفيد) ، والأول المتصل بقوله: (اعلم) ، فيكون أولى. وإنما قيده بذلك القول، لأن (قام زيد) بدون التقييد يكون كلاما وجملة، فلا يصلح مثالا للعموم. إن قام زيد قام عمرو، يسمي أي: نحو (قام زيد) جملة، لأنه لفظ مركب -فإن أخرجته عن صحة السكوت عليها لكنها ما أخرجته عن كونه مركبا. فجملة (يسمي) في محل الرفع، على أنها خبر (إن) -ولا يسمى كلاما، لأنه لا يحسن السكوت عليه، لأن (إن) الشرطية أخرجته عن صلاحية السكوت والكلام هو القول الذي يحسن السكون عليه. فهي حرف من حروف الشرط تقتضي جملتين يجعل إحداهما شرطا والأخرى جزاء، وتعمل فيهما عمل الجزم فيهما لفظا أو محلا. فجملة (قام زيد) فعل الشرط في محل الجزم وجملة (قام عمرو) جزاء الشرط في محل الجزم. وأما فعل الشرط مع جزائه ههنا فجملة شرطية، وكلام مفيد في محل النصب على أنه مقول القول. وكذا أي: ومثل القول المذكور في جملة الشرط القول في جملة الجزاء أي: نحو (قام عمرو) ، من قولك: إن قام زيد قام عمرو. يسمى جملة، ولا يسمى كلاما مثل ما مر. فإن قلت: جملة جزاء الشرط قول مفيد، مقيد بالشرط، مثل: جئتك إذا طلعت الشمس. فكما لا يخرج التقييد هذا القول عن الإفادة، فكذلك لا يخرج ذلك القول عنها. فكيف يكون جملة الجزاء مثل [جملة] الشرط؟ قلت: مهما كان حصول الجزاء موقوفا على حصول فعل الشرط المشكوك لا يصح السكوت عليه، لأن الجزم بالجزاء مادام الشك في الشرط لا يتصور. نعم حصل الجزم بالتعليق بين الجملتين في الحال. لكن الفرق بين حصول الجزم بالتعليق وبين حصول الجزم بمضمون الجزاء ظاهر. فالجزم المنفي هو الثاني، لا غير. فالإفادة مسلوبة عن كل واحد منهما، لا عن مجموعها. فإنه قول مفيد كما بيناه. فأما التعلق في قولك: (إن قام زيد قام عمرو) فينافي الجزم بالجزاء، فلا يصح